سوريا.. خياران أحلاهما مُر

بقلم: محمد هلسة..
خياران أحلاهما مر، أو على الأقل هكذا يبدوان لنا، ينتظران حكام دمشق الجدد فيما يخص العلاقة مع “إسرائيل”.
بلورت “تل أبيب”، عقب سقوط نظام بشار الأسد، موقفاً سريعاً من الحالة السورية، مفاده عدم المغامرة بانتظار ما سيسفر عنه شكل وطبيعة النظام الآخذ بالتشكل في سوريا، أو المخاطرة بتحمل تبعات هذا الانتظار، إنما المبادرة والانتقال الفوري لصياغة محددات عامة تُمثل اشتراطات وسقوفاً لا يمكن لحكام دمشق الجدد تجاوزها.
عَمدت “تل أبيب” إلى استغلال، أولاً، الظروف والمناخات القائمة أصلاً في سوريا الخارجة من صراع داخلي طويل أنهكها اقتصادياً وعسكرياً ومجتمعياً، وثانياً، استغلال الظروف القسرية التي خلقتها “إسرائيل” نفسها بفعل احتلالها لجزء من الأراضي السورية وانقضاضها على أصول الدولة السورية، المدنية والعسكرية، وسحقها بنيران طائراتها فور سقوط نظام بشار الأسد.
كان التعويل الإسرائيلي على أن تجريد سوريا من مقومات وبنية “الدولة” وإعادتها إلى “المربع صفر إمكانات”، سيُشغل نظامها الجديد وشعبها بالبحث عن سبل الحياة والتمكين حصراً، فلا يعود لديهم القدرة على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها “إسرائيل” على الأرض السورية وسعت إلى تثبيتها أمراً واقعاً يُشكل منطلقاً في تعاطيها مع الكل السوري ومع المحيط العربي والإسلامي.
أما أدواتها لفعل ذلك فكانت “الإخضاع بالنار”، عبر الوجود العسكري الفعلي على الأرض السورية واستمرار الاعتداءات والقصف الجوي، بهذه الذريعة أو تلك، والأهم، ذريعة حماية الأقلية الدرزية والتباكي على سلامتها، وهي ذريعة “دسمة” تحمل في طياتها أبعاداً بل أطماعاً سياسية إسرائيلية تكاد لا تُخطئها العين، إذ تستغل “إسرائيل” إلى الحدّ الأقصى، الأجواء الأمنية التي نشأت في سوريا، لتلعب على وتر تأجيج النزاعات الطائفية بهدف تحقيق مآربها بالتوسّع والسيطرة.
تعتقد “إسرائيل” أنها تستطيع أن تُنمّي هوية طائفية درزية انفصالية داخل سوريا بمساعدة قيادات درزية في “إسرائيل”، وهي ورقة تستغلها لتعمّق نفوذها وتأثيرها على الداخل السوري، وهذا أيضاً، في المدى البعيد يخدم الأجندة الإسرائيلية في التفتيت والتقسيم والسيطرة فيما لو جرت، جدلاً، ترتيبات سياسية أو أمنية ما مع “إسرائيل” وانسحبت مستقبلاً من الأراضي السورية التي احتلتها.
يرى قادة “إسرائيل” إمكانية تعزيز طموحهم بالحصول على حكم ذاتي كبير، وربما حتى إلى نوع من “الدولة الدرزية”، خاصة بعد أن طالب نتنياهو بمنطقة منزوعة السلاح جنوب سوريا، ويبدو أنّ الطريقة الفعلية التي تنوي “إسرائيل” من خلالها فرض هذا الأمر هي عبر عقد “عهد دم” مع الدروز في سوريا، كما فعلت مع الدروز في “إسرائيل”.
والظاهر أن معضلة حاكم سوريا اليوم مركبة ومعقدة، فهو يريد بشدة الاعتراف الدولي ورفعه من قوائم الإرهاب، كمقدمة ضرورية وملحة لتثبيت حكمه، ومن ثم بناء أسس ومقومات الدولة، وهذا لن يكون إلا إذا كَفَّت “إسرائيل” أولاً وقبل كل شيء، يدها عن سوريا.
بينما تُصر “إسرائيل” على الحضور الدائم في سوريا، بمنطق القوة والنار، حتى تطمئن من أن سقف النظام السياسي السوري هو ما تريده وما تفرضه، وإلا فاستمرار التدخل والعبث، وخاصة أن الدبابات الإسرائيلية لا تبعُد عن القصر الرئاسي سوى بضع مئات من الأمتار، ونيران الطائرات الحربية الإسرائيلية تطال محيط قصر الرئيس السوري في دمشق.
خلاصة القول، لا يملك الشرع رفاهية الاختيار بين مجابهة “إسرائيل”، أو الإعراض عنها، فهذا لن يُرضي تل أبيب الساعية إلى تفكيك سوريا وتفتيتها، فضلاً عن أنه لن يأتي لسوريا بما تطالب به من اعتراف سياسي دولي وإسناد اقتصادي، يضمن بقاء النظام واستقراره، وهو الذي يعاني أصلاً إشكالات الشرعية الداخلية.
وليس أمام الشرع، وفق ما تدفع إليه “إسرائيل”، سوى أن يأتيها مُطبّعاً، وخاصة أنها ستستمر في التدخل والضغط العسكري حتى تحصل على سلام سوري بأرخص الأثمان، أو سلامٍ قائمٍ على القوة والإخضاع وفق مُقاربة الرئيس ترامب حليف “إسرائيل”.
الواقع أن كف اليد الإسرائيلية عن سوريا لن يكون سهلاً في ظل حالة الانتشاء والغطرسة التي تعيشها تل أبيب، المتسلحة بفائض القوة الهوجاء والتغطية والدعم الأمريكيين، وهي التي تقول، إن واحدة من أهداف حربها في الجبهات المختلفة التي تخوضها هي تفكيك سوريا. وعلى الأرجح، وإن كان خياراً مستبعداً، سيقود فتح جبهة مواجهة مع “إسرائيل” إلى فناءٍ سريع للإدارة السورية المؤقتة بحكم غياب مقومات هذه المواجهة، مادياً وشعبياً، ناهيك عن جملة التناقضات الداخلية التي مازالت تعصف بالرئيس الشرع ونظامه.
ويبدو أن “إسرائيل” لا تستعجل الاستجابة لرسائل “الغزل” التي نقلها النظام السوري إلى “تل أبيب” مؤخراً، أقله حالياً، ما دامت لديها اليد العليا في سوريا، فلا أثمان تدفعها، ولا نقدٌ يطالها، من جهات دولية ترى هي الأخرى في استمرار عجز النظام عن حماية الأقليات السورية، مبرراً لاستمرار الشك في طبيعته “الجهادية” ونواياه.



