اخر الأخباراوراق المراقب

الأُسرة الكريمة للسيدة فاطمة المعصومة (ع)

من الأسرة الكريمة ولدت أسرة كبيرة بل عملاقة في زمن حرج، وهي أسرة الإمام السابع من أئمة المسلمين الإمام موسى بن جعفر (ع) الذي كان شوكة في عيون بني العباس الذين رأوا فيه تهديداً لسلطتهم وحكومتهم وهم يعلمون علم اليقين أنهم أبعد ما يكونوا أو يفكروا بأن يكونوا حكاماً على الناس لولا بشارة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) لذي القباء الأصفر، فقد روي أن جماعةً من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، منهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو جعفر المنصور، وعبد الله بن الحسن، وابناه محمد وإبراهيم، وأرادوا أن يعقدوا لرجل منهم، فقال عبد الله: هذا ابني هو المهدي. وأرسلوا إلى جعفر، فجاء فقال: (لماذا اجتمعتم؟)، قالوا: نبايع محمد بن عبد الله فهو المهدي.
قال جعفر: (لا تفعلوا)، قال: (ولكن هذا وإخوته وأبناءهم دونكم)، وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم قال لعبد الله: (ما هي إليك ولا إلى ابنيك، ولكنها لبني العباس، وإن ابنيك لمقتولان)، ثم نهض وقال: (إن صاحب الرداء الأصفر ـ يعني أبا جعفر (المنصور) ـ يقتلهما)، وانفضَّ القوم فقال أبو جعفر: تتم الخلافة لي؟. فقال: (نعم، أقوله حقاً)،)، وأوصاه ببنيه خيراً، وذلك لأن الثورة على الأمويين قامت لظلمهم لآل محمد فكانت الدَّعوة إلى (الرِّضا من آل محمد).
ولكن الإمام الصادق (ع) لم ينجُ منهم فقتله الحاكم المجرم نفسه وراح يضيِّق على وصيه وولده الإمام موسى الكاظم (ع) ثم راح ينقله من سجن إلى سجن حتى انتهى به المطاف إلى سجن السندي بن شاهك في بغداد ولكن الله وهب للإمام موسى ميزة لم تكن لغيره من الأئمة فرغم أنه قضى أكثر من أربعة عشر عاماً في السجن إلا أنه كان أكثرهم عيالاً وأولاداً إذ أن العلماء يقولون بأنه كان لديه 36 ولدا 18 ذكر و18 أنثى، والكثير من العبيد والإماء بحيث أنه يبلغ مجموعهم الخمسمائة، وكانت يد الإمام في غاية الضيق فإن الخطباء يتناقلون بأنه لم يكن لبناته الكريمات إلا ثوباً واحداً ويتبادلونه للصلاة، ولم يزوِّج أكثرهن لقلَّة ذات اليد كما أفصح عن ذلك للحاكم حين قَالَ: يَا أَبَا اَلْحَسَنِ مَا عَلَيْكَ مِنَ اَلْعِيَالِ؟ فَقَالَ: يَزِيدُونَ عَلَى اَلْخَمْسِمِائَةِ، قَالَ: أَوْلاَدٌ كُلُّهُمْ؟ قَالَ: لاَ أَكْثَرُهُمْ مَوَالِيَّ وَحَشَمٌ فَأَمَّا اَلْوَلَدُ فَلِي نَيِّفٌ وَ ثَلاَثُونَ اَلذُّكْرَانُ مِنْهُمْ كَذَا وَاَلنِّسْوَانُ مِنْهُمْ كَذَا، قَالَ: فَلِمَ لاَ تُزَوِّجِ اَلنِّسْوَانَ مِنْ بَنِي عُمُومَتِهِنَّ وَأَكْفَائِهِنَّ؟ قَالَ: اَلْيَدُ تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ).
في تلك الأسرة الكريمة ولدت نجمة في برعم مخملي قدسي الذات، نوراني الطلعة، في إهاب أنثى فسمَّاها أبوها أو أخوها الأكبر علي بن موسى الرضا (ع) باسم أمه فاطمة الزهراء (ع)، وراح يرعاها يربيها كما يجب ويأمر به الإسلام العظيم، وفعلاً أحاطها بمزيد من الحب الأخوي، ورعاها أبوها بكل الحنان الأبوي فجاءت آية من آيات الله في تلك الأسرة النبوية الشريفة، فكانت مثل عمَّتها السيدة زينب (ع) لأخيها الإمام الحسين (ع) رغم أن البعد الزمنى وكبر السن كبيراً جداً بينهما وليس كما كان بين زينب والحسين (ع)، إلا أن أخاها رعاها بأحداق عينيه وربَّاها على قيم السماء، وعلَّمها وحشا إهابها المخملي الناعم بكل ما يتحمَّل من العلم والأخلاق والفضيلة، ولذا ما أن اكتملت كأنثى تكاملت كإنسانة في غاية النبل والعفة والتدين.
على أي تقدير من القول بولادتها ما بين (173هـ 179هـ 183ه) فقد عاشت السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) في كنف أخيها الرضا (عليه السلام) ورعايته مدّة من الزمن تمكّنها من تلقّي التربية والتعليم اللائقين بمقامها على يد أخ شقيق لم يكن في علمه ومقامه كسائر الناس، فهو الإمام المعصوم وهو المربّي والمعلم والكفيل.. وينقل صاحب كتاب (كشف اللئالي) لابن العرندس الحلي، قصة تقول: إن جمعاً من الشيعة قصدوا بيت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) للتشرّف بلقائه والسلام عليه، فأُخبروا أن الإمام (عليه السلام) خرج في سفر وكانت لديهم عدّة مسائل فكتبوها، وأعطوها للسيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) ثم انصرفوا.
وفي اليوم التالي وكانوا قد عزموا على الرَّحيل إلى وطنهم مرّوا ببيت الإمام (عليه السلام)، ورأوا أن الإمام (عليه السلام) لم يعد من سفره بعد، ونظراً إلى أنّه لا بدّ لهم أن يسافروا طلبوا مسائلهم على أن يقدِّموها للإمام (عليه السلام) في سفر آخر لهم للمدينة، فسلّمت السيدة فاطمة (عليها السلام) المسائل إليهم بعد أن كتبت أجوبتها، ولمّا رأوا ذلك فرحوا وخرجوا من المدينة قاصدين ديارهم، وفي أثناء الطريق التقوا بالإمام الكاظم (عليه السلام) وهو في طريقه إلى المدينة، فحكوا له ما جرى لهم فطلب إليهم أن يروه تلك المسائل، فلمّا نظر في المسائل وأجوبتها، قال ثلاثاً: (فداها أبوها).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى