الديمقراطية المرهونة إلا ما رحم ربي

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
في التاسع من نيسان عام 2003 سقط الصنم، واحتلت القوات الأمريكية بغداد، لم تكن القوات الأمريكية الغازية ومن ساندها هي وحدها من اسقطت بغداد، إنما كانت رغبة غالبية أبناء الشعب العراقي بالخلاص من عهد الظلم والقمع للنظام الدكتاتوري وزبانية البعث الهدام هي التي مهدت لسقوط الطاغية وانهيار المنظومة الأمنية التي أمضى نظام البعث قرابة الأربعين عاماً في بنائها، لم تواجه قوات الاحتلال مقاومة تذكر سوى من تصدى لها ببطولة من ابناء الجنوب وملحمة أم قصر التي استمرت أكثر من اسبوعين في مواجهة القوات البرية التي اقتحمت الحدود العراقية قادمة من الكويت (الشقيقة) والسعودية (الشقيقة) خير شاهد على ذلك، لقد جاءنا الأمريكان بديمقراطية كنّا نسمع عنها وكأنها حكاية من حكايات ألف ليلة، فلم نكن نعرف عنها شيئاً ولا مفردة من مفردات فحواها ومديات تطبيقها وأنواعها. فوجئ الشعب العراقي بالديمقراطية اسماً ومضموناً، وأول ما لفت انتباهنا وفوجئنا به هو استباحة الستلايت لبيوتنا وأبراج الإنترنت حتى في المناطق العشوائية التي انتشرت في مراكز المدن وفي محيطها والغزو العشوائي للمواقع الإلكترونية وكل ما تهوى النفس من تشكيل الأحزاب وظهور مئات المنظمات الثقافية والعقائدية والاجتماعية تحت يافطة المجتمع المدني بما احتوت من أسماء وهمية.. لقد انشغلنا بالظاهر الفوضوي من الحرية كردة فعل تلقائية على عقود الحرمان والبؤس التي عشناها لعقود من زمن البعث المقبور، تفاجأ العراقيون إنهم شعب مكونات على العلن، فللشيعة حصة الأخ الأكبر المضّحي والمتسامح والمتنازل والمتوسل والمتأخر، وللسنة حصة الأخ الأصغر الزعلان والمعارض، المهمش المغيب والمعارض على طول الخط، وللأكراد حصة الخائفين المظلومين المختلفين المتفقّين اللاعبين على الحبلين، فتكاثرت الأحزاب وتكاثر المتحزبون وأرباب السلطة والمتصدون للمسؤولية من القادة والزعماء، فشاعت بين الناس ثقافة التطاول والتجاوز والشتم والتشهير، صارت لدينا في العراق عشرات القنوات التلفزيونية الفضائية ولم نعد ملزمين بمشاهدة قناة التاسعة، وكل ما قال القائد وقناة الشباب وما قال الاستاذ المعاق نجل القائد.. أمسى لكل حزب قناة ولكل مسؤول قناة ولكل شيخ قناة ولكل ساحر ومشعوذ وشيباني قناة، وأختلط الحابل بالنابل، والأبيض بالأسود، وسادت الضبابية في المواقف والوجوه والمبادئ والخطوط بجميع ألوانها، فلم يعد الأمر سهلا في الفرز بين الصالح والطالح والصعب والبسيط والسهل والغامض والشفاف.
ديمقراطية العم سام ارتهنت الشعب العراقي في دائرة اللا ثقة، وتآكلت في حيثياتها أركان المصداقية، وأخطر ما أودت به هذه الديمقراطية المشؤومة هو المنظومة القيّمية لمساحة واسعة في الشعب العراقي تحت سطوة العولمة والتشرنة والتحرر والتطور والسفارة وحانات الخمّارة وما قبلها وما بعدها.. لقد ارتهنوا بديمقراطيتهم الزائفة، الكثير من الثوابت فينا، إلا ما رحم ربي.. حفظ الله من نال رحمته عسى ولعل.



