اراء

لم يعد سواك يا غزة لتنقذي عالم العرب

بقلم: خالد شحام..

ماذا تنفع الأعلام؟ هل حمتْ المدينة من شظايا قنبلة؟ وماذا تنفع الطائرات والدبابات؟ هل استسلم أبو عبيدة؟ ماذا تنفعكم المؤامرات؟ هل أمدتْ في أعماركم يوما؟.

لقد سقط كل شيء، لم تعد تنفع سوى الصور الصامتة التي تحكي حكاية غزة وشعبها ومقاومتها، الصور التي أبكت الحجر وسط صمت البشر، الصور التي أحزنت المحيط واليابسة لكنها لم تتمكن من ايقاظ البشرية التي ماتت منذ زمن بعيد وما دلنا على موتها إلا ترامب يطلب الترفق بقصف غزة، إن كان هنالك من وصف يرسم معالم هذا الزمان والعالم الذي نعيش فيه، فهو الغابة الموحشة، وإن كان هنالك من وصف يليق بالمنطقة العربية على ما نراه ونسمعه فلا شيء يليق بهــا إلا وصف المستنقعات الآسنة التي يتصاعد منها غاز الميثـان، بلاد الفاقة، العاجزة الفاشلة المتآمرة على نفسها وزمانها ومكانها وتنوء حملا بأهلها في صفحات الزمان.

بمعية استمرار الجرائم التي يقترفها النظام العالمي في غزة تتصاعد حدة الهجمة على المقاومة الفلسطينية ضمن محاور مستجدة ومتلونة، خاصة بعد الإخفاق المتجدد والذريع في الإطاحة بحفنة المقاتلين الذين يدافعون عن شرف كل هذا الأمة، المحور الأول هو الهجمة على فكرة المقاومة والترويج لها على أنها أوصلت الشعوب العربية والشعب الفلسطيني إلى نتائج كارثية وجنت على نفسها وعلى شعبها، المحور الثاني هو الهجمة على فكرة سلاح المقاومة في غزة واليمن وترهيب الشعوب من وجود سلاح (خارج اليد الرسمية)، وفي ظل هاتين الهجمتين، لا بد من التذكير بالآتي كي لا ندخل جميعا نفق الخوف ونفق التيه الاسرائيلي:

– كلما عجز الحلف الإرهابي الذي يشن العدوان على غزة في مهمته، لجأ إلى المزيد من القوة العسكرية والضغوط السياسية الترهيبية، وعندما فشل كل ذلك لجأ إلى المزيد من الإجرام والمزيد من ضخ القوة وتم الدوس على كل الحلول السياسية وتجنب القوة الناعمة التي طالما كانت هي الخطة الأذكى في أي صراع، بعد دراسة مستفيضة لكل مدخلات هذا السلوك لا يمكن الوصول إلا إلى نتيجة واحدة توثق وتؤكد الفشل الحتمي لمنظومة النظام العالمي وذراعه الضاربة في تحقيق أي مستقبل أو وجود حقيقي لها، لم تكن القوة عبر التأريخ هي صاحبة الكلمة الفصل ما لم تكن لصيقة بقوة الحق والشرعية، إن كلفة العدوان على غزة ماديا ومعنويا في الحسابات المادية تعد باهظة جدا حيال (الانجازات) التي يدعيها فريق المجرمين في الكيان، والكلفة المادية والزمانية لبقاء القوة وجبروتها هي كلفة استنزافية هائلة جدا تتسبب في تدمير أعتى الامبراطوريات على مر التأريخ .

– إن مطالبات الفريق العربي للمقاومة بتسليم (الألف دبابة التي بحوزتها والخمسمائة طائرة سوخوي وترسانة الصواريخ عابرة القارات والرؤوس النووية المخبأة في الأنفاق والأسلحة المضادة للطيران)، إنما يدل على هشاشة وضعف هذا الحلف الذي يعتدي على غزة ولبنان واليمن ويدل على عجزه عن حماية نفسه أو القدرة على العيش بسلام وأمان لأن فكرته باطلة وأسس وجوده زائفة.

– إن استمرار القتل في غزة بهذه الصورة العبثية والعدمية إنما يدل على الوصول إلى مرحلة فقدان الرؤية والعجز العقلي عن تصور المستقبل وفهم التبعيات الكارثية القادمة لحلف المجرمين والمصير المظلم الذي ينتظرهم، ويؤكد هذا الأمر التمسك الأعمى بالقوة النارية والعسكرية دون أي فهم حقيقي لمنتجات ومردودات هذا العدوان على الداخل الصهيوني ومستقبله، يؤكد هذه الحقيقة أدلة كثيرة، أولها هو وصول الكيان الصهيوني إلى الصراع الداخلي المشار إليه بعديد الإشارات، ثانيها استمرار استنساخ العقلية الإجرامية النتانياهوية التي فقدت البصيرة باستحضار مطبلين ومؤيدين من أمثال ما يسمى وزير الدفاع ورئيس هيأة الأركان ووزير الخارجية وغيرهم وتحويل واجهة الحكم إلى لون واحد، تماما كما يفعل الرئيس الرائع ترامب.

– لقد تمكنت غزة من كسر قوقعة الغشاوة التي يعيش فيها المواطن العربي وربما العالمي، ومكنت له رؤية الواقع الحقيقي الذي يعيشه، وفي الوقت الذي تعيش فيه غزة الحقيقة، تعيش كل عواصم الرماد داخل فقاعة الكذب وترتدي نظارات الواقع الافتراضي الذي تبرمجه مؤسسة الخوف، إن غزة تقاتل الوجه المباشر للاستعمار الذي يحكم قبضته على المنطقة ولكنها من حيث لا تدري تقاتل مؤسسات الاستعمار الخفية المقيمة في الداخل العربي، لهذا السبب لا تستغربوا حجم ونوعية الهجمات، فما هي هذه المؤسسات؟،

1- المؤسسة الأولى هي مؤسسة الخوف، إن الاستبداد لم ينهب فقط ثروات وخيرات البلاد ويستولي على اقتصادها بل وصل الأمر إلى الاستيلاء على كامل الحقوق الإنسانية والسياسية والمستقبلية لهذه الشعوب وتأجيل تقدمها أو صعودها الحضاري حتى مائة سنة إلى الأمام، لقد تمكن الاستبداد النظامي العربي من صناعة ثقب أسود في داخل المجتمعات العربية اسمه مؤسسة الخوف المتجذرة في وعي المواطن وتحجيم حضوره ووجوده، ومؤسسة الخوف هذه هي التي تظلل القارة العربية وتصنع من شعوب العرب، جثة هامدة لا تتحرك إلا لكي ترجو بعض الماء وفتات الخبز وعجزت عن تلبية نداء الكرامة الصاعد من غزة واليمن.

2- المؤسسة الثانية هي مؤسسة الاستحمار، استحمار الشعوب وتحويلها إلى قطعان فاقدة للقدرة على الرؤية والاستبصار والحيلولة دون وصولها الحقيقة المجردة، استحمار يلبي القضية الاسرائيلية بجدارة وبسبل متشعبة وغير مباشرة من خلال صناعة رأي عام مدفوع يخدم هذه القضية، إن استحمار الشعوب وصل إلى مرحلة متقدمة من تكريس الإعلام والالة الإخبارية لتنقع دماغ المواطن العربي في الرواية الاسرائيلية وتحوله إلى زومبي يردد الأخبار نفسها ويتبنى النص الاسرائيلي -الأمريكي في رؤية واقعه وتصنيف أعدائه وحلفائه.

3- إن المؤسسة الثالثة القائمة داخل المشهد العربي هي الفساد، فساد شامل يجعل كل من يعيش في هذه البلاد يتأكد من حقيقة أنه لا يوجد شيء في مكانه الصحيح، فساد يلتهم الغرف السياسية والعساكر ودور القضاء ومؤسسة التربية والتعليم والصحة والزراعة والصناعة والمستقبل ويحول جميع تفاصيل حياة المواطن العربي إلى وساوس وعدم ثقة ولا أمان ولا ضمان إلى الحد الذي حول الشعوب للخوف من بعضها البعض والخوف من اليوم التالي في حياتها.

4- المؤسسة الرابعة هي مؤسسة الإفساد، وهي تختلف عن مؤسسة الفساد السابقة حيث تتكفل هذه بوضع الشعوب ضمن دليل الحياة الوحشية وخلق كائنات بشرية أقرب منها للحيوان من الإنسان خلقاً وسلوكاً وهمجية وخراباً لا يمكن أن يسمح لها بتشكيل نواة تهديد لأمن الاستعمار وجنده وحراسه.

يسأل البعض بذهول أو بمكر: هل يعقل أن قذيفة محلية الصنع أو قتل جنديين أو ثلاثة يمكن أن يغير مسار التأريخ في غزة؟ هل يمكن لصاروخ ترميه بلاد اليمن أن يفعل شيئا أو يتسبب في قلب الأوراق؟.

الإجابة على ذلك أيها السادة الأكارم هي نعم في المستوى الاستراتيجي للاستكبار، وهي نعم في المستوى المحتوم لمسار الكون، وهي نعم في كتيب الكبرياء العربي الشريف، إن هذه القذائف الصغيرة وهذه الفئة التي تخرج من بين الركام لتنقض على جنود الظلام وتخطفهم من بين جبروتهم وآلاتهم تفعل فعل السحر في منظومة الاستكبار والجبروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى