الصدمة


غسان عباس محسن
اندفع نحو هدفه كحصان ثائر يتقدم ولا يلتفت إلى أي شيء آخر غير ذلك الهدف، دقات القلب القوية تنبئنا بان حياة الإنسان قد وصلت إلى حافة النهاية الفجائية. انطلق الرصاص من رشاشته كقطرات مطر كانت تبغي السقوط على ذلك الكائن وكأنه صار أرضا رغبت بشدة أن تزرع فيها.. بلا توقف وبطريقة جنونية كان ذلك المطر ينهمر من تلك الفوهة الملتهبة التي حركتها رغبة متوحشة، كان الحقد قد أعطل ماكينة التفكير في رأسه وجعلها تغط في سبات متواصل بعدما عششت في رأسه أحقاد مئات من السنين الخاوية، كخيوط سود لعناكب صارت تقليعة في هذا العصر، دماغه غسلها دعاة الفتن بكلمات جهلهم وأرادته الضعيفة سلبتها حيرته. أطلق الرصاص وسبابته لما تنفك عن التصاقها بذلك الزناد لتحدث ثقوبا في جدار السلام المتداعي، كان الهدف لا يزال بعيدا عنه بعض الشيء لكن علامة البأس التي ارتسمت على محيا هذا المقاتل كانت كفيلة بتقريب أي بعيد، وشيئا فشيئا صار الهدف أقرب وأقرب وازدادت معالم شبحه وضوحا حتى تراءى وهو يسقط أرضا وقد تضرج بدمائه، الأرض بحر لا تشبعه كل أنهار الدماء البشرية التي تجري في وديان العبث وتصب على شواطئه.
السماء صارت بلون الدم والعشب الأخضر بدا وكأن لونه قد تغير هو الأخر ، يمكن للعالم كله أن يصبغ بذلك اللون عندما يتم غسل أدمغة العدد الكافي من الشبان بكلمات دعاة الفتن، أقترب المقاتل من عدوه الذي سقط أرضا مضرجا بدمائه، تفحص الجثة بسلاحه فدققت عيناه في ذلك الوجه، أصابته الدهشة وبدا وكان الأرض صارت تدور به مما شاهد، كان وجه عدوه يحمل نفس ملامحه الشرقية.. شعر اسود ووجه حنطي.. والأغرب من ذلك كله إن شفتيه تحركتا بصعوبة لتنطقا بالشهادتين وبلسان عربي مبين..
جثا المقاتل على ركبتيه من هول الصدمة وهوى سلاحه نحو الأرض بعدما تراخت قبضته.. تسود الدنيا في أعيننا عندما نعرف حقيقا ما بعد فوات الأوان حيث لا ينفع مع ذلك ندم او أسى، ارتجفت شفتي المقاتل وهو لما يزل يحملق في محيا ذلك الوجه وبدا وكأنه كان يخاطبه بكلامه.. ليس هذا ما اخبرونا عنكم.. لقد قالوا لنا : إنكم مخلوقات غريبة.



