الإعلام العربي.. حين يصوغ الهزيمة ويُعلي راية الخصم

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي..
في صراعات الشعوب، تُعد الكلمة أحيانًا أقوى من السلاح، والصورة أكثر تأثيرًا من الرصاصة، والخطاب الإعلامي أدهى من كل الحروب النظامية.
وحين نُمسك بعدسة النقد تُجاه الخطاب الإعلامي العربي، فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسلامي مع إسرائيل، فإننا نكتشف أننا -وللأسف- كنا نخوض حربًا بكلمات خصمنا، ونخسر معارك بيد إعلامنا.
كان يُفترض بالإعلام العربي أن يكون سلاحًا في معركة مصيرية، أداة تعبئة وتحشيد، ومنصة ترفع الوعي وتكشف المخططات.
لكنه في كثير من محطاته، لم يكن سوى جبهة خلفية تخدم الرواية الإسرائيلية، من حيث يدري أو لا يدري.
تم تفكيك الوعي العربي قطعةً قطعة، بدل أن يكون الخطاب موحدًا، صار ممزقًا، وبدل أن تُركّز النشرات والبرامج والمنصات على جوهر القضية – الأرض، والاحتلال، والحق، والدم – انشغلت بجلد الذات، والتشكيك في المقاومة، وتخوين الضحايا، وتلميع العدو، وتقديمه كندّ متفوق تكنولوجيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا.
الإعلام، الذي يُفترض أن يُشيد بجراح غزة وصمودها، صار يصفها بـ”العبء”، والإعلام الذي كان عليه أن يكشف قُبح العدوان على لبنان، صار يتساءل: لماذا تقاومون؟.
بل حتى حين وقفت قوى إسلامية من خارج الوطن العربي كإيران في وجه إسرائيل، كان الإعلام العربي أكثر حدة تجاهها من عدائه للعدو نفسه.
لقد تمكّن الخطاب الإعلامي من تفتيت الرأي العام العربي، وتوجيهه نحو الصراعات الجانبية، فغاب العدو الحقيقي عن الشاشة، وحضر الخصم البديل: إما فصيل مقاوم، أو حركة سياسية، أو دولة إسلامية لا تسير ضمن منظومة “التطبيع والسلام”.
وهنا يتجلّى سؤال بالغ الخطورة: هل فقد الإعلام العربي بوصلته؟ أم أنه لم يفقدها بل تمت برمجته -بقصد أو بغير قصد- على العمل وفق منطق القوة لا الحق؟ على الانحياز لمن يدفع، لا لمن يُقتل؟ على صناعة رأي عام مُنهك، متشكك، لا يرى الأبطال إلا مغامرين، ولا يرى التضحيات إلا أخطاء سياسية.
إن الإعلام العربي، في لحظة الحقيقة، لم يكن ذراعًا للوعي الجمعي، بل أداة تفتيت لهذا الوعي.
كان بإمكانه أن يكون حائط صدّ في وجه اختراق الرواية الصهيونية، لكنه اختار أن يمارس جلد الذات، ويُحوّل المقاومة إلى تهمة، والعدو إلى واقع لا بد من “التعايش” معه.
لقد ساهم الإعلام في إضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة، سواء في غزة أو لبنان، بل حتى في تشويه كل خطاب معادٍ لإسرائيل أينما كان – بما في ذلك منبر طهران، الذي يُصوَّر دائمًا كعدو خفي، بدلًا من كونه خصمًا للعدو المعلن.
والنتيجة، أمة ممزقة، رأي عام مشوش، وقضية تفقد وهجها.. وعدوٌ يبتسم، لأن بعضًا من إعلامنا أصبح يخدم مشروعه أكثر مما تفعل دباباته.


