اراء

الحرب الأمريكية على إيران.. هل يمكن تحويل الوضع السيئ إلى جيد؟

بقلم: عريب الرنتاوي..

سماء الخليج وجواره، تبدو ملبّدةً بنذر حرب واسعة، لا نعرف متى تبدأ، ولا كيف تنتهي. واشنطن وطهران على سكة صِدام، قد يكون وشيكاً، وعمليات بناء “الأصول الحربية” الأمريكية تجري على قدم وساق، ودائماً على نحو يضمن إبقاء إيران في مرمى النيران. وبينما ترجّح تقديرات لخبراء ومراقبين “خِيارَ الجحيم”، الذي يُشهره ترامب يُمنةً ويسرة، فإن أصحاب هذه الترجيحات يُبقون الباب مفتوحاً للدبلوماسية وما قد تجترحه من “معجزات”.

هو، إذاً، سباق الحرب والدبلوماسية، يجري في ظروف غير مواتية لطهران، وفي مناخات تفشّي “العربدة” و”التنمر” و”نزعات الهيمنة” على نظام عالمي يُعاد تشكيله بسرعة فائقة، تحت وقع الضربات الأمريكية المتلاحقة؛ نظام قائم على “الجشع” و”التوحش”، ولا مكان فيه لقانون دولي ولا لأمم متحدة وميثاقها ومنظماتها؛ نظام يُراد به وضعُ الولايات المتحدة على قمة الهرم القيادي العالمي، وتثبيتها سطوتها وهيمنتها، وكنتيجة ثانية لذلك، وضع “إسرائيل” في موقع المهيمن على “المشرق الكبير”، الممتد من قزوين إلى ضفاف المتوسط، مروراً بوادي النيل والهضبة التركية.

لا نعرف، حتى الآن، إن كانت المطالب الأمريكية، هي فعلاً ما تريده إدارة ترامب وتتمسك به، أم أنها “مدخل تفاوضي/ فتحة عداد” لمسار تفاوضي، ستتخلى في سياقاته عن بعضٍ منها، لكننا ندري، أتم الدراية، أن طهران، إن قبلت هذه المطالب، فستكون أجهزت بنفسها على عصب استثماراتها طوال العقود الخمسة الماضية، وأضاعت “درة تاج” إنجازات ثورتها الإسلامية، وباتت مكشوفة الظهر، لخصوم الداخل وأعداء الخارج.

الدبلوماسية بهذا المعنى في حاجة إلى اجتراح “معجزة” في زمن انقطعت فيه معجزات السماء، ولاسيما بوجود “صقور” متحفزة للانقضاض على إيران، تعتقد أن لديها “ثارات” قديمة – جديدة يتعين الأخذ بها مع الجمهورية الإسلامية، في واشنطن ومراكز صنع القرار فيها، وخصوصاً في “تل أبيب”، تحت قيادة اليمين الفاشي، ولاسيما أن “ضرب إيران” من القضايا القليلة، التي مازالت موضع إجماع في “إسرائيل”، يشمل المعارضة بتلاوينها المتعددة، والائتلاف الحاكم، الذي تفوح منه الروائح النتنة للفاشية والعنصرية والإبادة والتطهير.

قد تندلع الحرب في أسابيع أو أشهر قليلة مقبلة، وقد لا تندلع، مع أن الكفة ترجح لمصلحة اندلاعها، لكن الإقليم لن يشتعل، ولن ينفجر، فليس ثمة في بلدان الإقليم وساحاته من هو متملك فتيل التفجير، أو قادرٌ على إشعاله، بعد الإنهاك المنهجي المنظم، المتدرج والمتعاقب، لحلقات المحور وأطرافه، وفي مناخات العربدة والاستباحة الإسرائيلية، وفي أجواء “الذعر” التي تجتاح العالم، جرّاء انفلات الثور الأمريكي الهائج من كل عقال، أخلاقي أو قانوني، وميله الجارف إلى الهيمنة الاستعمارية، على وفق المقاييس والمعايير للقرن التاسع عشر، وليس القرن الحادي والعشرين.

لا يعني ذلك أنه لن تكون هناك تداعيات وعواقب لهذه الحرب، أو لما سبقها من حروب، في المديين المتوسط والبعيد، ذلك سيحدث، وسيحدث حتماً، بفعل قوانين “الاحتلال والمقاومة” و”الاستعمار والتحرر الوطني”، و”الاستبداد والحرية”، لكنه يتعين على الأفرقاء، من أبناء هذه المنطقة بالذات، التفريق بين ما هو راهن، بكل الشروط التي تكبله وتشكله، وبين ما هو مستقبلي، بكل ما يحمله من فرص وتحديات.

إذاً، دعونا من “حكاية” انفجار الإقليم واشتعاله، فتلكم مقولة لم تعد كافية لاستدرار مزيدٍ من “الأدرينالين” في عروق الحلف غير المقدس، بين صهيونية فاشية وإمبريالية متوحشة وفساد واستبداد مستكينَين إلى حدّ التخاذل والتواطؤ (اقرأ التآمر).

يعني ذلك أنه على طهران أن تُجري حساباتها، في الميدان كما إلى موائد التفاوض، بأنها ستخوض المواجهة وحيدةً، كما يفعلها أنصار الله، هذه الأيام بصعوبة فائقة، وهي إن نجحت في “تحييد” بلدان عربية عن المشاركة في الحرب، أو إقناعها بـ”عدم السماح” لواشنطن، بالفعل لا بالقول فقط، باستخدام أراضيها وأجوائها وقواعدها، للانقضاض عليها، فسيكون ذلك بمنزلة نجاح كبير للدبلوماسية الإيرانية.

ولأن الشيء بالشيء يُذكَر، فإن واشنطن هي التي قصدت أن تُضمّن هجماتها على اليمن رسائل ودروساً لمن يهمهم الأمر، فهي أرادت أن تُرِي إيران، لا أن تُسمعها، كيف ستكون الحال إن اندلعت الحرب.

يرجّح ذلك سيناريو ذهاب واشنطن منفردةً إلى حربٍ مع إيران، من دون “إسرائيل”، وأنها قد تكتفي باستخدام “مخزون استخباراتها عن إيران، ويبدو أنه مخزون “ثقيل”، ودلّلت تجربة الأعوام الفائتة على أنه لا يجوز الاستخفاف فيه، في حال من الأحوال.

إسرائيل “توّاقة” إلى المشاركة في استهداف المنشآت النووية الإيرانية، وهي تقدمها على منشآت الغاز والطاقة، وهي ستظل “تتفلّت” ليكون لها “نصيب” في هذه العملية، وربما تنسحب الحال على لندن، شريكة واشنطن التأريخية، في جميع المهمّات القذرة في الشرق الأوسط الكبير، وغيره من بقاع العالم.

وأياً كانت نتائج السباق بين الحرب والدبلوماسية، فإن إيران ستكتشف، إن لم تكن قد اكتشفت الآن، أنها تتحمل قسطاً وافراً من المسؤولية عمّا آلت إليه معادلات القوة وتوازناتها. فلا “الصبر الاستراتيجي” نجح، هذه المرة، في تأمين الغلبة لها ولحلفائها زمن الطوفان والإسناد، ولا “العقيدة النووية” القاضية بـ”تحريم القنبلة” شكلت سدّاً في وجه الشهية الأمريكية – الإسرائيلية المفتوحة إلى الهيمنة والتوسع. “التردد” في إدارة كِلا الملفين وضع إيران في موقع غير مواتٍ، في الميدان كما في غرفة التفاوض.

لا يعني ذلك أن إيران فقدت جميع أوراقها، وباتت لقمة سائغة لواشنطن و”تل أبيب”. طبيعة الردّ الإيراني على أية ضربة أمريكية كفيلة باستحداث فارق كبير. وفي ظني أن استراتيجية ردّ مركزة وكثيفة، فورية وغير مترددة، ضد أهداف استراتيجية إسرائيلية، كفيلة باستحداث انقلاب في المشهد الإقليمي.

إن اندلعت الحرب، فلن تتوقف عند ضرب البرنامجين النووي والصاروخي، ولا عند تقليم أظافر حلفاء طهران ومخالبهم. الحرب، بتداعياتها، لن تقف إلا في حالة انقلاب تامة على النظام والجمهورية الإسلامية. إيران تأمل اشتعال الإقليم، وواشنطن تخطّط إشعال الداخل الإيراني. وبين هذين السيناريوهين، تبدو مقولات، من نوع “الصبر الاستراتيجي”، أو “التدرج وضبط النفس”، مفرَغة من أي معنى، وعواقبها وخيمة على أصحابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى