خريطة الصراع تشهد انقلاباً في تحالفاتها


عبد الباري عطوان
هناك أربعة اسئلة تحدد اجاباتها مستقبل سورية والمنطقة ما هي ؟.
بعد خمس سنوات من الحرب بالانابة، والاقتصار على تدريب وتسليح وتأسيس الفصائل السورية “العثمانية” المقاتلة، مثل حركة نور الدين زنكي، والسلطان مراد الرابع، وصقور الجبل، وفيلق الشام، ها هي تركيا ترسل 50 دبابة، وأكثر من 350 جنديا الى جرابلس السورية، معلنة انضمامها رسميا الى العديد من المتدخلين عسكريا في الازمة السورية، والهدف الرئيس هو الحرب على وحدات الحماية الكردية السورية، التي تعدّها الجناح العسكري لحزب الاتحاد الكردستاني، وبدرجة أقل، القضاء على وجود “الدولة الاسلامية” وقواتها لتجنب غضب الحليف الامريكي. التدخل العسكري التركي المباشر، الذي تأخر خمس سنوات، كان من المفترض ان يكون ضد قوات الجيش السوري، ولحماية حلفائها في حلب على سبيل المثال، ولكنه جاء لمواجهة الاكراد، وإجهاض مخطط امريكي لإقامة دولة لهم، وإقامة منطقة عازلة، ولكن بموافقة السلطات السورية والروسية معا، ومباركة ايرانية، لإعادة ترحيل مهاجرين سوريين يقيمون على الاراضي التركية (هناك من يقدر عددهم بمليوني لاجئ)، وإقامة سد بشري عربي في مواجهة التمدد الكردي، وجعل مهمة القوات “العربية” السورية الموالية لتركيا اسقاط “الدولة الكردية”، كأولوية تتقدم على اسقاط “الدولة الاسلامية” في دمشق. اين “الثورة السورية”؟ وأين الاهداف المعلنة التي انطلقت لتحقيقها، خاصة تحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة نظام ديمقراطي يحترم حقوق الانسان، ويقضي على الفساد والفاسدين ؟ هذه اسئلة ممنوع طرحها هذه الايام، فالأولويات تغيرت، وخريطة التحالفات تتغير ايضا، وفقا لمصالح الاطراف المتواجدة على الارض أو في السماء وأعداء المساء يمكن ان يتحولوا الى اصدقاء الصباح، انها “سورية الجديدة”. الصدام العسكري التركي الكردي ينتقل الآن الى الارض السورية، مدعوما هذه المرة بقوات عربية، والسيد صالح مسلم، قائد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، أكد ان تركيا ستغرق في المستنقع السوري، وستحاربها قواته كقوة “احتلال”، رافضا دعوات حلفائه الامريكان بالانسحاب من مدينة منبج وغيرها من البلدات السورية الى شرق الفرات، حتى لو ادى هذا الموقف الى خسارة الدعم الامريكي. السلطات السورية في دمشق تلتزم الصمت، وتكتفي بإدانة “روتينية” لعملية “درع الفرات” التركية، التي اعتبرتها انتهاكا للسيادة السورية، ولسان حالها يقول (فخار يكسر بعضه)، ولكن هناك من يؤكد ان هذا “الدرع التركي جاء ثمرة اتفاق تركي سوري، بوساطة ايرانية، ومباركة روسية. بات من الصعب علينا، وعلى الكثيرين مثلنا، معرفة من يقاتل من على الاراضي السورية، والهدف المعلن لكل هذه التدخلات والحشودات والحروب هو اجتثاث “الدولة الاسلامية”، العدو المشترك لجميع القوى المتضادة، اقليمية كانت أو دولية. هناك اربعة اسئلة رئيسة تفرض نفسها بقوة في ظل هذا الزحام: الاول: تنظيم “الدولة الاسلامية” يمنى بخسائر على الارض، ويفقد السيطرة على مدن سورية وعراقية، وهناك مؤشرات حول خسارة المزيد منها مستقبلا، مثل الموصل والرقة، فماذا سيكون مصيره، وهل سيختفي من الخريطة، فوق الارض على الاقل، وكيف ستكون خطورته اذا ما اختفى تحتها ؟ الثاني: ماذا سيحدث للأراضي والمدن التي يخسرها، في سوريا والعراق، هل ستعود لسيادة السلطتين في بغداد ودمشق، أم الى الاكراد، أو الاتراك في حالة منبج وجرابلس، أو تنظيمات المعارضة الموالية الى هذا الطرف أو ذلك ؟ الثالث: ماذا سيحدث للتحالف الاقليمي والدولي القائم حاليا، ويتأسس على ارضية العداء لـ”الدولة الاسلامية”.. فهل سينفرط عقده، ويبدأ في خوض حروب ضد بعضه البعض، لفرض اجنداته والفصائل لمتحالفة معه ؟ الرابع: اين النظام السوري من كل هذا وذاك، وأين العملية السياسية التي انطلقت للوصول الى حل سياسي، وهل ستظل خريطة المتفاوضين ووفودهم على حالها، أم ستدخل اليها قوى جديدة فاعلة على الارض، وتنقرض قوى أخرى. الاجابة على هذه الاسئلة الافتراضية الاربعة هي التي ستحدد هوية الصراع الجديد على الارض السورية فيما هو قادم من أشهر، وربما سنوات، ومن المؤسف انه لا احد يملك هذه الاجابات كاملة، ولذلك لا نستبعد استفحاله واستمراره، وتغيّر اهدافه وأدواته. ندرك جيدا بأن العداء للأكراد وطموحاتهم في قيام كيانهم الجديد الذي اجهض قبل مئة عام نتيجة تحالف الغرب مع مصطفى اتاتورك، هو الذي يحل حاليا مكان العداء لـ”الدولة الاسلامية”، ويغير خريطة التحالفات، بحيث بات يجمع بين المربع التركي العراقي الايراني السوري، ولكن هل ستضحي امريكا، وروسيا بدرحة أقل، بالحليف الكردي الذي خاض حروبها في سورية والعراق ضد الاسلام المتطرف وجماعاته ؟ الامر المؤكد ان التدخل العسكري التركي المباشر في سوريا بدأ، وهو مرشح للتوسع، والصدام مع الاكراد انطلقت رصاصته الاولى، وهذا هو التطور الابرز في الازمة السورية، فهل وقعت حكومة الرئيس رجب طيب اردوغان في مصيدة كردية ثانية في سوريا، اضافة لمصيدة حزب العمال الكردستاني في شرقها، أسوة بمصيدة السعودية في اليمن، وعراق صدام في الكويت ؟ لا نملك أي أجوبة، ونستطيع ان نتكهن، مجرد التكهن، بأننا أمام الفصل الأكثر خطورة في الازمة السورية، وان موقع النظام في دمشق لن يكون بالسوء الذي كان عليه طوال السنوات أو الاشهر الماضية، واستعادته مدينة داريا الاستراتيجية ، ودخول قواتها اليها، يعد مؤشراً مهماً في هذا المضمار، والله أعلم.



