الإمام الحسن المجتبى عليه السلام .. حكاية حُب

محمد علي جواد تقي
“اللهم إني أحبّهُ فأحبّه، وأحبُّ من يُحبه”.
قال رسول الله في حق سبطه الحسن المجتبى، صلوات الله عليهما إنه الغيث النازل من السماء على الأرض (القلوب) الجدب، فقد كان عرب الجزيرة العربية بشكل عام يعانون أحد موانع الإيمان بالله –تعالى- وهي قسوة القلب التي تدفع للظلم والجور والعدوان، ثم الكفر، كما سبقهم في ذلك بنو إسرائيل في تجربتهم مع نبيهم موسى بن عمران؛ {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}، فكان جدّه المصطفى يبشر بهذه الهدية السماوية في كل موقف وموطن ليتعلم المسلمون كيف تكون المودّة، وكيف يكون الحب؟ وأثرهما في الحياة، فهم على موعد مع أهل بيته بعد رحيله، ليكون اختبارهم العسير مع تطبيق الآية الكريمة: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، والوفاء لعهد نبيهم الكريم.
بدأت الحكاية والمشوار منذ الساعات الاولى لولادته الميمونة، وهو المولود الأول لعلي وفاطمة، والسبط الأول للنبي الأكرم، صلوات الله عليهم، فقد فجّر ينابيع الحب والسعادة والبهجة، ظهرت بأجمل صورها على وجه جدّه المصطفى الذي استلمه بين يديه الكريمتين، وسمّاه حسناً بتوصية من جبرائيل الذي جاء بإسم “شبّر”، وهو اسم احد أبناء هارون، ثم تم تعريب الاسم الى؛ حسن.
تربى وترعرع في حجر جدّه المصطفى، وأصبح أيقونة الحب والعلاقة الودّية بين الجد والحفيد الأول أمام أنظار المسلمين، كأول تجربة من هذا النوع لم يألفوها من قبل، حتى أن أحد المسلمين استكثر على رسول الله كثرة تقبيله الحسن وملاطفته وملاعبته، وقال: إن لي ابناً ما قبلته قط! وربما لم يأخذه بين يديه، كما هي ثقافة العرب الجاهلية التي تأنف ملاعبة الأب لابنه الصغير حتى لا ينتقص من كبريائه شيئاً! فجاءه الجواب من رسول الله: “أرأيت إن كان الله قد نزع من قلبك الرحمة فما أصنع لك”؟!.
كتب الحديث لدى أهل السنة المعروفة بالصحاح تحفل بالعديد من الروايات من مشاهد الحب والمودة بين النبي وسبطيه؛ الحسن والحسين، لاسيما اثناء الصلاة، وكيف كان الحسنان يأتيان ويلعبان في المسجد، ويجلسان على ظهر رسول الله، فكان الموقف التأريخي منه، صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبقى ساجداً لا يرفع رأسه لفترة طويلة حتى يظن المسلمون أن الوحي قد نزل عليه –كما جاء في بعض الروايات- ثم يتبين لهم أن السبب هو وجود الحسن او الحسين على ظهره، وبعد انتهاء الصلاة يلتفت الى المسلمين قائلاً: “من أحبني فليحب هذين”.
على هذه الثقافة درج الامام الحسن في مراحل حياته، وهو يطوي السنين، ويخْبر الناس ويواجه الاحداث والظروف القاسية، فقد شهد النهاية المأساوية والمؤلمة لجدّه المصطفى على يد المتشبهين بالصحابة، ثم شهد ما حصل على أمه وأبيه من ظلم وعدوان وتجرؤ على الله وعلى رسوله، ثم ما حصل لأبيه خلال فترة حكمه وبعد استشهاده، وما لاقاه من ضعاف النفوس والإيمان في الايام القليلة لتوليه الخلافة والزعامة، بيد أنه بقي ذلك الامام الحَسَن صامداً لم ينتقص الشتم من حلمه، ولا الظلم والبغي من شجاعته وإقدامه، ولا الحرب والاستفزاز من سلميته، ولا البخل بالمال والنفس بالسخاء والعطاء لمن خذلوه من جماعته، وحتى لمن قاتله من أعدائه، وقصته مع ذلك الشامي، الذي لابد أن كان يوماً في صفوف جيش معاوية، معروفة للجميع، وكيف أنه واجه الإمام بالسبّ والشتم، له ولأبيه أمير المؤمنين، فقابله، عليه السلام، بالحلم والعفو والابتسامة ليكون الموقف نقطة مضيئة في التأريخ، قبل أن تفيد ذلك الشامي وتهديه سواء السبيل، وتجعله محبّاً ومؤمناً بعد أن كان مبغضاً وناصبياً.
الرسالة الأخلاقية للإمام الحسن المجتبى، سلام الله عليه، تحمل دلالة انسانية تهدف لتأسيس البنية التحتية للمجتمع الاسلامي، حتى قرار الهدنة مع معاوية كان في هذا الطريق، فيما كان قرار أخيه الامام الحسين، عليه السلام، استنهاض الضمائر والعقول وفق هذا البناء الحضاري، فقد تخللت فترة عشرين سنة بين خلافة الامام الحسن، و واقعة الطف.
إنما المشكلة العويصة في الاستيعاب والسطحية في فكر الأمة وثقافتها، فكلما سارعت في تعميق الوعي، ساهمت في إنقاذ نفسها من المهالك، بل وتقدمت خطوات نحو التقدم والرقيّ، والعكس بالعكس قطعاً، كما نشهد اليوم.



