نحو التدمير الذاتي.. انقسام الكيان بين “يهوذا” و”إسرائيل”

بقلم: مازن النجار..
من دلائل تآكل سردية المشروع الاستيطاني الصهيوني، مخالفة المؤرخين الجُدد في الكيان الصهيوني، أكاديميين وكتاباً وصحفيين، البحث التأريخي الراسخ لدى أوساط البحث الصهيونية، ونقض دراساتهم أساطير التأسيس وتقديم رواية أخرى لنكبة فلسطين، وارتبط ظهورهم برفع السرية عن وثائق الكيان حول حرب 1948، في السبعينيات وغزو لبنان (1982) والانتفاضة الأولى (1987).
دحض “المؤرخون الجدد” كثيراً من أساطير الرواية التأريخية الرسمية الإسرائيلية، وأبرزهم حالياً المؤرخ البروفسور إيلان بابيه، أستاذ التأريخ في جامعة حيفا سابقاً، وجامعة اكستر في إنكلترا حالياً. وصدر له في 2006 كتابه المفصلي: “التطهير العرقي في فلسطين”، كاشفاً عن عمليات الترحيل والتطهير العرقي عام 1948، والتي مثلت جزءاً جوهرياً من استراتيجية الحركة الصهيونية.
مؤخراً، كتبت أفيغيل أباربانيل، المعالجة النفسية الإسرائيلية سابقاً، والمناهضة للصهيونية والناشطة حالياً دفاعاً عن حقوق الإنسان الفلسطيني، تقريراً شيّقاً حول بودكاست بابيه على موقع “الانتفاضة الإلكترونية”، وتضمن تحليلاً مهماً وعميقاً حول انقسام “إسرائيل” ومسارها، في هذه الأوقات الخطيرة، نحو التدمير الذاتي.
“دولة يهوذا” و “دولة إسرائيل“
في ظهوره مؤخراً على موقع “الانتفاضة الإلكترونية”، قدم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، تحليلاً مقنعاً لمسار “إسرائيل” الحالي، يرى فيه أن المجتمع اليهودي الإسرائيلي منقسم بين ما يسميه “دولة يهوذا” و”دولة إسرائيل”، في إشارة إلى رواية “سفر الملوك” في العهد القديم عن انقسام مملكة داود وسليمان بعد وفاة الأخير.
يصور السرد التوراتي “يهوذا” باعتبارها مملكة صالحة ظلت وفية لـ”التوحيد العبري”، في حين يصور مملكة إسرائيل أمة ضالة تخلت عن إيمانها، وأضلتها غطرسة ملوك طموحين لتقع في “الشرك” وتعدد الآلهة وعبادة الأصنام، هذه الإشارة مهمة في سياق اليوم.
اتبعت دولة يهوذا، عقوداً من الزمان، استراتيجية مزدوجة: ففي حين يتسللون منهجياً إلى مؤسسات الدولة لتحقيق سيطرة متزايدة، يحاولون إعادة اليهود العلمانيين “إلى الإيمان” وهذا يسمى (hazara bitshuvah) ويترجم حرفياً إلى “عودة التائبين” أو “العودة إلى الإجابة”، لكن معناها الثقافي أكثر تحديداً؛ ويقصد بها تحوّل اليهود العلمانيين إلى ملتزمين دينياً. استخدمت الترجمة الإنكليزية الشائعة، “العودة إلى الدين”، لكنها لا تحيل إلى الثقل الثقافي واللاهوتي للمصطلح العبري. إن حماستهم وغطرستهم تدفعانهم إلى الاعتقاد بأنهم يسرّعون “ظهور المسيح” اليهودي بإقامة دولة يلتزم الجميع فيها بالدين اليهودي، وتخضع مؤسساتها للقانون الديني.
تتألف الدولة الأخرى، “دولة إسرائيل”، أساساً من اليهود العلمانيين. وفي حين يتمسكون بصورة ذاتية للديمقراطية الليبرالية، مازالت غالبيتهم العظمى تدعم المشروع الاستعماري الاستيطاني؛ ويشتركون في هدف “الإبادة” الصهيونية كما تمثله “دولة يهوذا” – أي إقامة دولة يهودية حصرية على حساب شعب فلسطين. ومع ذلك، يتدثرون بقشرة ليبرالية غربية، ويبدو أنهم يقترحون طريقة لجعل الاستعمار الاستيطاني أكثر استنارة، هذا التظاهر بالاستعمار الاستيطاني “المستنير”، يجعلهم أحقر من نظرائهم المتدينين، الذين لا يخفون نواياهم بالحد الأدنى، ويلحظ بابيه هجرة عكسية كبيرة لأتباع “دولة إسرائيل”، تحدث فراغاً تملأه “دولة يهوذا” بلهفة. ويعود رحيل اليهود العلمانيين عن الكيان لرفضهم العيش في دولة دينية، ولا يجوز تفسير خروجهم معارضةً للمشروع الصهيوني.
يشير مسار الكيان إلى تدمير ذاتي. فكلتا “الدولتين”، يهوذا وإسرائيل، تُهَندِسان سقوطهما الذاتي. فـ”دولة يهوذا”، شأن حركات اليمين المتطرف في العالم، تظهر عدم الكفاءة في الحكم. ومن المحتم انهيار حكمها تحت وطأة الفوضى والتناقضات الداخلي، لكن بابيه يحذّر من الاحتفال المبكر. وكما تنبأ سابقاً، فإن جماعات التعصب – سواء دولة يهوذا، أو إدارة ترامب، أو نظراؤهما عالمياً – تلحق بالعالم معاناة هائلة في سعيها لتحقيق أهدافها. إن سقوطها مؤكد في نهاية المطاف، لكنها تخلف دماراً وراءها. وهذه ليست نبوءة صوفية، بل هي نمط تأريخي مستمد من سوابق تأريخية، ويعكس سلوك أفراد رافضين أو عاجزين عن معالجة اعتلالاتهم النفسية.
“وهم بصري” و”نهاية عصر“
تعتمد “إسرائيل” وجودياً على أموال ومساعدات عسكرية أمريكية. ورغم التدفق المستمر للذخائر والأسلحة وتكنولوجيا الحرب، تنهار ثقة المجتمع الإسرائيلي في “جيشه”. يشهد يهود الكيان فشل قواتهم العسكرية “المقدسة” في قتال حروب العصابات، رغم كونها أكبر حجماً وأفضل تجهيزاً بكثير من خصومها. ويعتقد بابيه، أن “فرض دولة يهودية حصرية” على العالم مسعى فاشل.
يعتقد بابيه أننا نشهد نهاية عصر، ويحذر من وضع أية ثقة في الجهات السياسية على أي من جوانب الخريطة السياسية الراهنة لإحداث تغيير منشود، نحتاج إلى النظر نحو بداية عصر جديد، حيث تقوم السياسة على مبادئ تعكس اهتمامات الناس الحقيقية، ويرى بابيه أننا نشهد انهيار النظام الاستعماري القديم في كل مكان، وليس فقط في فلسطين، ويقترح تحويل هذا الانهيار إلى شيء إيجابي، ولديه رسالة مهمة للناشطين، في حين أن حركة الناشطين ضخمة، خاصة منذ تشرين الأول 2023 لكنها لا تزال مجزأة، ويحث بابيه على ترجمة حركات الاحتجاج الضخمة لدينا إلى حركة قوية وموحدة تنتهج “السياسة من الأعلى”، وطالما أننا مجزأون، فسوف نفشل.
إسرائيل على حافة الهاوية
يعمل بابيه على تأليف كتاب جديد بعنوان “إسرائيل على حافة الهاوية”، والمقرر نشره في أيلول 2025. يقدم الكتاب رؤية متخيلة لعام 2048، بعد قرن من النكبة، ويتخيّل بابيه مستقبلاً تتحقق فيه تطورات عديدة:
أولاً، ستكتمل عملية تحويل هيكل الحركة الفلسطينية وتنظيمها. فتصبح موحدة، وتتغلب على التفتت برؤية واضحة للمستقبل.
ثانياً، بناءً على هذا التغيير، سيتم تقنين وتفعيل عمليات العودة والعدالة التصالحية والعدالة الانتقالية داخل فلسطين التأريخية بشكل عملي، وتشمل إنشاء جمعية وطنية (برلمان)، وعودة الناس إلى فلسطين حيثما أمكن، وآليات تعويض من لا يستطيع العودة.



