اخر الأخباراوراق المراقب

العزوف عن الترف

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو».

يتصور البعض أن الركون إلى الأمور المادية، يزيد الإنسان عزّةً وشرفاً ومنعةً وقوةً وسلطاناً، على الرغم من أن نصوص القرآن والسنّة مستفيضة في بيان هذا المعنى، وكشف القناع عن حقيقة الرقي الإنساني والسمو الروحي، وأن الدنيا وجميع متعلقاتها إنما هي عرض زائل في معرض التلف والتبدّل، وإنما يكمن نجاح الإنسان وتقدمه في الجانب المعنوي، وما الأمور المادية الّا سبب للوصول إلى عالم المعنويات التي أهتم بها الدين كثيراً، والإنسان الحضاري هو ذلك الإنسان الذي يحمل أكبر قدر ممكن من الملكات الخيّرة، والصفات الحميدة، والسلوك المتوازن، وكلما كان الإنسان بعيداً عن منطق الظلم والعنف، كان أكثر تحضراً، وأشد تسامياً، وأرقى درجةً. فالإسلام يرى أن سمو البشر إنما هو في ‌تقدمهم وتفوقهم الأخلاقي وارتفاع رصيد ملكات الخير فيهم، وبقدر ما يكون المجتمع عادلاً يكون أقرب إلى التقدم والرقي والخلود.

وعادة هذا المعنى لا يتحقق في الأجواء الفارهة والثريّة، وإنما تتحقق وتتفجر ملكات الإنسان في الأجواء المتوسطة أو المسحوقة، ولذلك أكد الدين الإسلامي حالة التواضع والبساطة في التصرف والعيش، لأن حالة الثراء والكبر والترف تمنع الإنسان من التقدم، بل تقف حائلاً دون رقيّه وتنامي رصيده الروحي. أما حالات التواضع والزهد والبساطة واللين فهي تجعل الإنسان حريصاً على الآخرين، خدوماً للناس، معيناً للضعفاء، مما يرقّق قلبه، ويطهر ضميره، وينظف دواخله.

ولذلك جاء في إحدى الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى موسى (عليه السلام) أن يا موسى أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: يا رب ولمَ ذاك؟ قال فأوحى اللّه تبارك وتعالى إليه أن: يا موسى، إني قلّبت عبادي ظهراً لبطن فلم أجد فيهم أحداً أذلّ لي نفساً منك. يا موسى، إنك إذا صلّيت وضعت خدّك على التراب».

بل إننا لو تتبعنا أحوال الأنبياء لرأيناهم جميعاً يمتازون بصفة التواضع والبساطة والاهتمام بالناس وليس الأنبياء فحسب، بل الأولياء والأوصياء. وحتى العلماء المفكرين لو تفحصنا أحوالهم لرأينا آثار الزهد واضحة وطاغية عليهم. فبالزهد وبالابتعاد عن زخارف الدنيا، سوف يكون هناك متسع من الوقت والعمر، للتفكير والعمل والجدّ والاجتهاد والتكامل.

إن الجري وراء زخارف الدنيا؛ من بيت فاره أو مركب حديث أو ملبس جديد أو مأكل متنوع، كل ذلك يأخذ وقتاً ليس بالهيّن، وعمراً ليس بالقصير، باعتبار أن هذه الأمور لا تتحقق في يوم وليلة، وباعتبار أن طبيعة الإنسان لا ترضى بواحدة منها بل تظل تطلب أكثر من ذلك، وهكذا حتى ينتهي به العمر ولم يقدم لآخرته شيئاً.

إذن، ترك الركض وراء الحالات المترفة يوفر للإنسان متسعاً من الوقت، فيه يعمل ويفكر ويعبد، وإلّا فإن السعي المستمر اللاعقلائي وراء الثراء وطلب الرفاهية سوف يجعل من الإنسان آلة تحركه المباهج والزخارف والملذات، ويمضي وقت من بين يديه دون أن يشعر إلّا حين الموت. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، في وصف حال هذا الإنسان: «فإنها ـ الدنيا ـ واللّه عمّا قليل تزيل الثاوي(3) الساكن، وتفجيع المترف الآمن… سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها» ثم يذكر (عليه السلام) العلاج لهذا المرض، وطريقة التخلص منه، يقول: «رحم اللّه امرءًا تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، فكأن ما هو كان من الدنيا عن قليل لم يكن».

إذن التفكير السليم في الأجواء التي يحكمها العقل يصل بالإنسان إلى حقيقة هذه الزبارج الدنيوية الزائلة.

ولا يتأتى هذا النوع من التفكير إلّا حين يكون الإنسان في وضع يسمح له بذلك، ولا يكون ذلك أيضاً إلّا عندما يكون الإنسان بعيداً عن حالات الترف والركض وراء الدنيا وزخارفها، لكي لا تأخذ وقتاً وعمراً منه، ولا تشغل حيّزاً من عقله. أما العيش بصورة معتدلة أو بسيطة وهو المعبر عنه بحياة، فكل ذلك الزهد يجعل من الإنسان خلّاقاً في أفكاره، لأنه أولاً سيجد وقتاً واسعاً للتفكير، وسيجد العناية الإلهية التي تفيض عليه بالتسديد في الأفكار والأعمال، بعكس الإنسان طالب الدنيا ومتعلقاتها.

إن مجانبة الدنيا وزخارفها المترفة تجعل من الإنسان قريباً من اللّه عزّ وجلّ، وقريباً من الناس، لأن الإنسان الذي يكتفي باليسير من حطام الدنيا، ويقنع بالقليل، سوف يساعده هذا السلوك على الانقطاع للّه عزّ وجلّ، لأن قلبه سوف لا يتعلق بشيء من حاجيات الدنيا، بل يظل الفؤاد والفكر مشغولين بذكر اللّه مما يقربه أكثر فأكثر من ربّه، ويكون وليّاً من أوليائه. لأن الإنسان إنما يبتعد عن طريق الهداية، لأجل تعلق قلبه بالأمور الدنيوية، فتحتل منه أكبر مساحة، فلا يبقى مجال لذكر اللّه وعبادته ثم إن الإنسان البسيط في عيشه غير المتكلف في سلوكه وكلامه وتعاملاته مع الناس يكون قريباً جداً من قلوبهم، لأنه يكون قد حافظ على سلامة فطرته، والناس عادة يميلون إلى هذا النموذج من البشر، لأنه موافق لفطرتهم، ولذلك نرى أن الناس في الأعم الأغلب تلتف حول القائد المتواضع البسيط العيش، البعيد عن الترف والثراء. والتأريخ مليء بالشواهد على ذلك. وأبرزها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده (عليهم السلام) فقد كانوا قمّة التواضع والبساطة ولذلك التفّ حولهم الناس وأذعنوا لهم، بما في ذلك أعداؤهم.

إذن كلما ابتعد الإنسان عن الترف كان قريباً من اللّه وقريباً من قلوب الناس، لأنه الوحيد الذي يتحسس آلامهم ومعاناتهم، فيضحي من أجلهم، ويدافع عن حقوقهم، بعكس الغني المترف الذي لا تهمه سوى نفسه، لذلك كان بعيداً عن قلوب الناس، ومحارباً حتى من قبل الشريعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى