هدنة غزة بين التمديد المشروط والتصعيد المحتمل.. سيناريوهات المرحلة المقبلة

بقلم: حسن لافي..
مع انتهاء المرحلة الأولى من الصفقة، يسود القلق في غزة والمنطقة، وسط عدم ذهاب “إسرائيل” للتفاوض على المرحلة الثانية، بل إعلانها العلني عن تنصّلها من الاتفاق برمّته. السيناريوهات المطروحة تتراوح بين تمديد الهدنة أو استئناف الحرب أو الدخول في جولة قتال سريعة. ومن ثم العودة لمسار التهدئة مجدداً.
في ظلّ هذه التعقيدات، يبدو أنّ الخيارات محدودة، لكنّ المطلوب هو التفكير بواقعيّة بعيداً عن المبالغات وردود الفعل العاطفية.
السيناريوهات المحتملة
1- تمديد الهدنة وفق صيغة جديدة من دون التزام بوقف الحرب، يُطرح حالياً مقترح قدّمه مبعوث الرئيس الأمريكي، ستيف وتكوف، يقوم على تمديد الهدنة لمدة 50 يوماً مقابل إطلاق سراح نصف الأسرى الأحياء والأموات في اليوم الأول، مع بدء التفاوض ببن الطرفين، لكن من دون أيّ التزام إسرائيلي صريح بوقف الحرب.
هذا السيناريو يحمل مزايا ومخاطر في آنٍ واحد: من جهة، يمكن أن يوفّر وقتاً إضافياً لتخفيف الأزمة الإنسانية في غزة، وإدخال مزيد من المساعدات والإمدادات الأساسية. كما أنّ إطلاق عدد كبير من الأسرى دفعة واحدة قد يشكّل ضغطاً سياسياً داخلياً على حكومة الاحتلال.
لكن في المقابل، غياب أيّ التزام إسرائيلي بوقف الحرب يعني أنّ الاحتلال يريد سحب ورقة الأسرى من يد حركة حماس والمقاومة، مع عدم حلّ جذر القضية وهو وقف الحرب وإعادة إعمار غزة.
كذلك، فإنّ استمرار الغموض حول النيّات الإسرائيلية قد يضع المقاومة في مأزق، إذ إنها ستكون عالقة بين القبول باتفاق غير مضمون، أو رفضه وتحمّل مسؤولية انهيار التهدئة.
2- استئناف الحرب لممارسة الضغط العسكري على المقاومة، قد تلجأ “إسرائيل” إلى التصعيد العسكري مجدّداً بهدف فرض مزيد من الضغط على حماس، في محاولة لإجبارها على تقديم تنازلات أكبر في أيّة مفاوضات مستقبلية، بمعنى العودة للمقاربة الإسرائيلية السابقة، أي المزيد من الضغط العسكري، ما يساعد في جعل حماس أكثر مرونة في ملف الأسرى، لكن هذا الخيار يواجه عراقيل عدة، منها الضغط الشعبي داخل “إسرائيل”، خاصة من عائلات الأسرى الإسرائيليين الذين لا يزالون في غزة، ولا سيما أنّ التجربة خلال 15 شهراً من الحرب أثبتت فشل مقاربة الضغط العسكري.
وعدم وجود ضمانات بأنّ جولة القتال الجديدة ستؤدّي إلى تحقيق أهداف “إسرائيل” العسكرية.
3- جولة قتال سريعة ومكثّفة مع حصار مكثّف ومنع إدخال المساعدات الإنسانية، قد تحاول “إسرائيل” تنفيذ عمليات عسكرية مكثّفة تستهدف ما تبقّى من البنية العسكرية للمقاومة، على أمل تحقيق إنجازات سريعة من دون التورّط في حرب طويلة، لكن هذا السيناريو أيضاً محفوف بالمخاطر، لانه لا توجد ضمانات على أنّ المقاومة لن تردّ بقوّة، مما قد يؤدّي إلى تصعيد واسع النطاق.
من السهل أن تتحوّل هذه العمليات إلى مواجهة طويلة الأمد، خاصة إذا لم تحقّق أهدافها خلال الأيام الأولى.
في ظلّ هذه السيناريوهات، لا يمكن الاعتماد فلسطينياً فقط على ورقة الأسرى وإرادة المقاومة، بل يجب تبنّي خطاب سياسي وإعلامي أكثر شمولية، من أجل إرسال مجموعة من الرسائل للعرب والمجتمع الدولي، يزيد من هامش المناورة الفلسطينية في ظلّ الانحياز الأمريكي الواضح لـ”إسرائيل”، وان أهم مرتكزات الخطاب السياسي، هي:
1- تأكيد حجم الكارثة الإنسانية في غزة، لانها تعرّضت خلال أكثر من عام لموجة غير مسبوقة من التدمير، والخسائر البشرية والمادية تجاوزت حدود الكارثة، وأيّ حلّ لا يأخذ في الاعتبار وقف الحرب، وإعادة إعمار غزة وإغاثة سكانها لن يكون حلّاً حقيقيّاً.
2- التعامل بواقعيّة مع وضع المقاومة، لا شكّ أنّ المقاومة مازالت تمتلك إرادة القتال، إلا أنها تعرّضت لضربات موجعة، وخسرت جزءاً كبيراً من قياداتها وبنيتها العسكرية، الاعتراف بهذا الواقع ضروري لإعادة ترتيب الأولويات، وعدم تقديم صورة غير واقعية عن الوضع الميداني، وهنا من المهمّ الموازنة بين الرسائل الداخلية الهادفة لرفع معنويات الجبهة الداخلية الفلسطينية، وبين رسالة مظلوميّة الشعب الفلسطيني في مواجهة “إسرائيل” المدعومة بأكبر قوة عسكرية في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية .
3- إيصال رسالة أنّ حماس ليست متمسّكة بالحكم، يجب التأكيد أنّ الأولوية ليست بقاء حماس في السلطة، بل وقف الحرب وإنقاذ غزة. وحماس مستعدّة لتسليم إدارة غزة لأيّة جهة فلسطينية أو عربية، شريطة أن يؤدّي ذلك إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية.
4- استثمار ملف الأسرى بذكاء، يجب التركيز على الضغط الشعبي داخل “إسرائيل” لدفع حكومتها نحو حلول سياسية لقضية الأسرى لدى المقاومة حتى ولو كان الثمن وقف الحرب.
ان إبراز المعاملة الجيّدة للأسرى الإسرائيليين كدليل على أنّ المقاومة الفلسطينية ليست منظّمات إرهابية، بل طرف سياسي وعسكري مسؤول عن قضية شعب مظلوم تحت الاحتلال.
5- إيصال رسالة واضحة بأنّ غزة غير قادرة على الاستمرار في وضعها الحالي، فالحكومة الحالية في غزة لا تمتلك الإمكانيات لإعادة الإعمار أو حتى توفير الحد الأدنى من مقوّمات الحياة.
ان استمرار الوضع كما هو سيؤدّي إلى كارثة إنسانية قد تمتدّ آثارها إلى الإقليم بأكمله.