اخر الأخباراوراق المراقب

شهر رمضان.. شهر الرحمة والقرآن

الشيخ الحسين أحمد كريمو..

مَنَّ الله علينا بأسمائه الحسنى التي بثَّها في كتابه بكلا طرفيه؛ كتاب الكون المترامي الأطراف وما نطلق عليه (الكتاب التكويني)، وكتاب الله القرآن الحكيم وهو ما نسمِّيه (الكتاب التدويني)، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى الكتاب الكوني أو التكويني بكلا طرفيه أيضاً، حيث أنه ينقسم إلى كتاب الله وآياته التي تتجلى في الآفاق، والقسم الآخر الذي هو خُلاصة القسم الأول وهو آياته تتجلى في النفس البشرية، حيث قال ربنا عن ذلك: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

والأسماء الحسنى التي هي عند العوام مئة، وأما لدى الخواص فإنها ألف وأكثر جعلها الله أوتاد الكتاب الحكيم، فمَنْ يدرسها ويتأمَّلها ويتدبَّر فيها من حيث ورودها وتوزُّعها في الآيات الكريمة لا سيما في أواخرها، فإنه سيتوصَّل إلى حقيقة دامغة وهي أن هذه الأسماء يقوم بها الكتاب التدويني والتكويني كله، فما من ركن من أركان الكون إلا وفيه ملائكة كرام يسيِّرونه ويفعلون ما يؤمرون بواسطة اسم من أسماء الله الحسنى، كالرحمن أو الرحيم، فأية عظمة ولطف وكرامة لهذا الإنسان أن جعل الله له اسمين فيهما الرَّحمة، ليتعامل بهما في حياته، فيرحم الآخرين ويرحمه الآخرون أيضاً والرُّحماء يرحمهم الله تعالى.

والعجيب أن الله سبحانه وتعالى بفضله ورحمته بالعباد أنه جعل أعظم آية في كتابه الحكيم وأول آية فيه وهي البسملة (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فيها ثلاثة أسماء من أسمائه اثنين من الرَّحمة والأول هو الاسم الجامع وكررها في القرآن الحكيم 114 مرة في مفتتح كل السور القرآنية، إلا سورة البراءة فإن بسملتها سحبتها سورة النمل إليها، وبعض الأعلام يقولون: نعم إنها ابتدأت بالبسملة ولكن اكتفت بالباء لموقعها ومكانتها وعظمتها.

الرَّحمن: هذا النَّعت الخاص للباري تعالى ولا يتسمَّى به غيره لقد ورد هذا الاسم الشريف في سبعة وخمسين موضعاً من القرآن، اقترن في ستة منها باسم الرَّحيم، ولم يقترن بغيره في بقية المواضع، هذا عدا عن البسملة حيث تكررت فيه بعدد سور القرآن الحكيم.

الرَّحيم: هذا الاسم الشريف ورد في القرآن الحكيم ضعف اسم الرحمن، أي (114) مرة، وهو تأكيد على عظيم رحمة الله تعالى، وأن بهذا الاسم قامت السماوات والأرض، وأنه به عاشت البشرية كلها منذ اليوم الأول ولولا الرَّحمة التي جعلها الله في القلوب لكانت الحياة جحيماً لا تطاق، والعجيب أن الله تعالى قسَّم رحمته إلى مئة جزء، كما قَالَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): (الله رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنَّهُ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، وَجَعَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً فِي اَلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، فَبِهَا يَتَرَاحَمُ اَلنَّاسُ، وَتَرَحَّمُ اَلْوَالِدَةُ وَلَدَهَا، وَتَحْنُو اَلْأُمَّهَاتُ مِنَ اَلْحَيَوَانَاتِ عَلَى أَوْلاَدِهَا).

في الحديث أيضاً: (إنَّ لِلَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ منها رَحْمَةً وَاحِدَةً بيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ علَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ).

فهذا الاسم الشريف هو الذي جعله الله بين العباد ليتراحموا فيما بينهم ولولا ذلك لما عطفت أم على ولدها وأحب أحد أحداً ورحمه أبداً، فبهذا الاسم المبارك قامت الحياة الأسرية والاجتماعية وتراحم البشر فيما بينهم وتناسلوا وحافظوا على وجودهم، وكذلك الأمر بين الحيوانات حيث رحمة الآباء بالأبناء عجيبة ولولا هذه الرَّحمة والرِّقة لما نشأ صغير ولا سعد كبير، فبالرَّحمة التي بسطها الباري تعالى على خلقه نشأت الحضارات وتعاطفت المخلوقات كلها.

وشهر رمضان هو شهر الرَّحمة لأن ثلثه رحمة وفي الحديث: (أوله رحمة)، وبما أن أوله رحمة وكأن أوله بسملة لأن فيها الرحمة ثلث الأسماء الموجودة فيها، (الله، الرحمن، الرحيم)، فهذا الشهر المبارك يبدأه الله بالرَّحمة بعباده، ويأمره بالتراحم فيما بينهم، من أجل أن يضاعف عليهم رحمته، لأن التعاطي بالاسم يجعله أكثر فاعلية في الواقع، فعندما نتراحم ونتواصل ونزداد حباً لبعضنا وقرباً من بعضنا، فإن الله تعالى من فوق عرشه يقربنا إليه، ويحبنا ويأخذ بقلوبنا ونفوسنا وأرواحنا إلى ساحات قدسه وننعم بلطائف محبته ونتنشَّق نسائم محبته، فما أعظمها وأقدسها من لحظات أنعم الله بها علينا في هذا الشهر الكريم.

رمضان اسم من أسماء الله

كما أنه وردت لدينا الكثير من الروايات لدى الطرفين من المسلمين أن رمضان اسم من الأسماء الحسنى، ولذا ورد النَّهي عن تجريده من الإضافة، فقد روى القوم: (لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان)، وعن مجاهدٍ؛ قال: (لا تقولوا: رَمَضانُ، ولكن قولوا: شهرُ رَمَضانَ؛ لعلَّه اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ عز وجل) (ولكن ضعَّفه القوم).

وأما في روايات أئمة أهل البيت (ع) ففيها الأحاديث الصحيحة كقول أمير المؤمنين الإمام علي (ع): (لاَ تَقُولُوا: رَمَضَانَ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ مَا رَمَضَانُ فَمَنْ قَالَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ وَلْيَصُمْ كَفَّارَةً لِقَوْلِهِ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: (شَهْرُ رَمَضانَ)، وفي حديث الإمام الباقر (عليه ‌السلام)، قَالَ: كُنَّا عِنْدَهُ ثَمَانِيَةَ رِجَالٍ، فَذَكَرْنَا رَمَضَانَ، فَقَالَ: لَا تَقُولُوا: هذَا رَمَضَانُ، وَلَا ذَهَبَ رَمَضَانُ، وَلَا جَاءَ رَمَضَانُ؛ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ‌ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لَا يَجِي‌ءُ وَلَا يَذْهَبُ، وَإِنَّمَا يَجِي‌ءُ وَيَذْهَبُ الزَّائِلُ، وَلكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ الشَّهْرَ مُضَافٌ إِلَى الِاسْمِ، وَالِاسْمُ اسْمُ اللهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، جَعَلَهُ مَثَلاً وَعِيداً).

وأما الكلمة (رمضان) فقد اختلفوا في اشتقاقها، فعن الخليل بن أحمد الفراهيدي، أنه من الرَّمْض بسكون الميم، وهو مطر يأتي وقت الخريف، (آخر الخريف) يطهر وجه الأرض من الغبار، وسمِّي الشهر بذلك لأنه يطهِّر الأبدان عن أوضار الذنوب والخطايا والأوزار.

وقيل: هو مشتقٌّ من الرَّمَض وهي شدَّة الحرِّ من وقع الشمس، وقال الزمخشري في الكشاف: رمضان مصدر رَمَضَ إذا احترق من الرَّمضاء.. وسُمِّي بذلك إما لارتماضهم (احتراقهم) فيه من حرِّ الجوع، كما سمُّوه ناتقاً؛ لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق.

وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سمُّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق الشهر أيام رمض الحر، فسمِّي بذلك، وربما كلها صحيحة إذ ربما يكون يوم تسميته كان في آخر الخريف حيث الحر الشديد ونزول مطرة آخر الصيف المعروفة عندنا (بمطرة المساطح)، لأن الفلاحين وأهل البوادي يجمعون أرزاقهم ويضمونها ويحفظونها في بيوتهم، لأنه قد آن أوان الخريف واحتمال سقوط الأمطار فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى