اراء

دبابات في جنين وحقيقة المشروع الإسرائيلي بالضفة

بقلم: محمد جرادات..

أدخل “جيش” الاحتلال الإسرائيلي إلى جنين، فصيلة دبابات من قوة سلاح المدرعات 188، لتتموضع في جبل الجابريات المطل على مخيم جنين، وهو أمر لم يحصل في عموم الضفة الغربية منذ معركة مخيم جنين سنة 2002، في وقت دخل الهجوم الإسرائيلي الواسع على هذا المخيم شهره الثاني، من دون تحقيق منجزات أمنية ذات بعد استراتيجي، سوى هدم وحرق وتدمير نحو 400 منزل ومؤسسة وبنية تحتية بشكل كلي أو جزئي، وقتل 27 فلسطينياً غالبيتهم العظمى من المدنيين غير المقاومين، وهو ما يدلل على حقيقة المرامي الإسرائيلية من هذا الهجوم في أبعاده السياسية الخبيثة.

لا يخفى على المواطن في جنين، مراوحة الهجوم الإسرائيلي مكانه، وهي حال المقاومة أيضاً، في مربع المشاغلة المحدودة المتبادلة، من دون عمليات نوعية فاصلة، فالإسرائيلي عبر مدرعاته وطائراته وقوات النخبة، احتل مخيم جنين بعد خمسين يوماً من المواجهة بين هذا المخيم وبين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي اعتقلت قرابة الـ200 من أبنائه، وقد جاء الهجوم الإسرائيلي ليحصد نتائج هذه المواجهة المحزنة.

اختارت المقاومة، ولا سيما ذراعها الرئيسة كتيبة جنين التابعة لسرايا القدس، أسلوب الانتشار عبر المخيم والمدينة والريف، وهي بالأساس تعمل بإمكانات بدائية، نظراً لواقع الضفة المستباح أمنياً، وهو ما وزع عبء المواجهة على “جيش” الاحتلال، الذي تعرض لعمليات في كل هذه المناطق، واعترف بمقتل أحد جنوده داخل المخيم وإصابة آخرين، واثنين منهم في معسكر تياسير وإصابة ستة آخرين، ومازال يتعرض لضربات في السيلة الحارثية وقباطية واليامون والحارة الشرقية من المدينة، ولكنها ظلت بالجملة عمليات محدودة حتى الآن، وهي حال تنطبق على مخيمات طولكرم ونور شمس والفارعة ومجمل شمال الضفة المستهدف بهذا الهجوم.

يعكس المشهد الميداني سيطرة “جيش” الاحتلال على المناطق المستهدفة بما فيها مخيم جنين، وإدامة تهجير سكانه العشرين ألفاً، إضافة إلى عشرين ألفاً آخرين في طولكرم، في وقت يؤكد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس توجّه “جيشه” للبقاء في مخيمات الشمال طوال العام الراهن، ومنع أهله المهجرين من العودة إليه، فيما جاءت عملية تفجير الحافلات الثلاث في “تل أبيب”، وهي عملية مازالت غامضة حتى الآن، لتدخل الشارع الإسرائيلي في هستيريا نفسية، انعكست على سلوك نتنياهو الذي توجّه بعدها مباشرة إلى طولكرم ليعلن من هناك توسيع العملية الإسرائيلية، ثم ليعلن من حفل تخريج دفعة من الضباط في حولون، حيث وقعت إحدى عمليات تفجير الحافلات، عن إدخال الدبابات إلى جنين.

وفيما ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أن إدخال الدبابات إلى جنين تم بضغط من المستوى السياسي على “جيش” الاحتلال، كان هذا “الجيش” يوسّع عمليات انتشاره نحو البلدات الفلسطينية المجاورة لجنين، ما أشعر كل بقعة فلسطينية في المنطقة أنها مستهدفة بالهجوم، ما يعطي انطباعات واضحة عن البعد النفسي الذي تحمله العملية الإسرائيلية، وهو بعد يعيد تكوين الذهنية الفلسطينية النفسية، نحو خيارات الخضوع للإسرائيلي والارتهان لإرادته، وهو ما تنبئ به جميع الإجراءات الإسرائيلية الميدانية في جنين، وإن تخللها الارتباك والتناقض، ولكنها في كل الأحوال لا تخلق واقعاً أمنياً يجفف حواضن المقاومة، وإن ظهر على هذه الحواضن شعور الصدمة منذ الحملة الأمنية لأجهزة السلطة، وما تبعها من هجوم إسرائيلي لا يحده سقف زمني قريب.

رمزية الوحشية في “الميركافا” الإسرائيلية، سيف ذو حدين وربما أكثر في الذهنية الفلسطينية، وهو ما يجهله العقل السياسي الإسرائيلي الذي لم يعد يصغي إلى المستوى الأمني المطلع على كثير من جوانب هذه الذهنية، فهي رمزية تشير إلى العجز الإسرائيلي الذي يجعله مضطراً لإدخال هذا النوع من القوة العسكرية أمام مخيم لا يملك أدنى مقدرات القوة، ولعل هذا ما يعبّر عنه الفيديو الذي يتم تداوله الآن في جنين، ويظهر فيه رمز كتيبة جنين الشهيد الفتى محمد الزبيدي (النش) وهو يتوعّد “الجيش” الإسرائيلي بالفشل حتى يلجأ إلى الدبابات، ليختم بالقول إنه عند وصول الدبابات باب المخيم سنحتفل! إذاً، هذه الدبابة في الوعي الفلسطيني، وإن كانت تشير إلى الإصرار الإسرائيلي في الهجوم على الشعب الفلسطيني بكل آلته العسكرية، فإنها في جانب نفسي تعزز ثقة هذا الفلسطيني بقدرته على إفشال الهجمات الإسرائيلية.

خسارة فلسطينية جمعية يحققها الإسرائيلي في جشعه السياسي الأيديولوجي، وهو لا يجد في مواجهة مشاريعه في الضفة إلا فتية المخيم، ومجاميع من شبان المدينة والحواضن الريفية من الذين لا يجدون ظهراً يلجأون إليه، في وقت نجحت حملات إعلامية مسمومة حاولت شيطنتهم ولكنها فشلت، إلا أنها تسببت في زج المجموع الفلسطيني الشعبي في صدمة نفسية استثمرها الإسرائيلي ويحاول البناء عليها في ما ينفذه من تدمير للمخيمات، تلك المخيمات التي تمثل رمزية الذاكرة التأريخية للقضية في تجاوزها لقضية اللاجئين، لما هو جوهر المظلومية الفلسطينية التي تبقى أصل الحكاية، حكاية الحق الذي لن يكف أهله عن المطالبة به مهما بذلوا من المهج.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى