هل ينهي ترامب مرحلة توسّع “الناتو”؟

بقلم: ليلى نقولا..
في فترة أقل من شهر، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمجموعة من الخطوات السياسية والأوامر التنفيذية التي أثارت القلق لدى حلفائه وأعدائه، وقد يكون قلق الحلفاء أشدّ وطأة وعمقاً من ريبة الأعداء.
وبسبب التخوّف من سياسة ترامب المقبلة بخصوص أوروبا، يعقد في باريس اجتماع أوروبي بحضور الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، لمناقشة مستقبل السياسة الخارجية للقارة والتعامل مع التحدّيات المستجدّة، وأهمّها الحرب الأوكرانية ومستقبل حلف “الناتو” الذي يبدو على المحكّ.
تأريخياً
تأسس حلف شمال الأطلسي “الناتو” من 12 دولة بهدف الدفاع المشترك، وذلك في بداية الحرب الباردة، وكان الهدف منه احتواء الشيوعية ومنع تمددها ومواجهة الاتحاد السوفياتي.
فيما بعد، انضمّت اليونان وتركيا إلى الحلف عام 1952، وألمانيا الغربية عام 1955. في المقابل، أسّس حلف الاتحاد السوفياتي حلف وارسو، الذي تفكّك مع تفكّك الاتحاد في بداية التسعينيات من القرن الماضي.
خلال نهاية الحرب الباردة، وأثناء المفاوضات بشأن إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، قدّم الأمريكيون والدول الغربية، ضمانات للزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف بعدم تمدّد “الناتو” إلى الشرق وإلى حدود روسيا.
لكنّ الضمانات تلك لم تكن مدرجة باتفاقية رسمية موقّعة من الأمريكيين، بل كانت ضمانات غير مكتوبة. وعلى الرغم من أنها مدرجة في العديد من الوثائق الرسمية، يعمد الغربيون الى إنكار وجود مثل تلك الضمانات.
مع تدخّل حلف “الناتو” في كوسوفو عام 1999، خارج إطار الشرعية الدولية ومن دون قرار من مجلس الأمن، وجد الأمريكيون أنّ الحلف يمكن أن يؤدّي غايات عسكرية تدخّليّة لصالحهم في العالم، ويمنع عودة الهيمنة الروسية في أوروبا الشرقية، فاتخذوا قراراً بتوسيع الحلف لضمّ بلدان حلف وارسو السابقة ودول البلطيق.
بدأ توسّع الحلف عام 1999، ثمّ مع اعتماد إدارة جورج بوش الابن سياسة “احتواء الصعود الروسي” تزامن توسّع الحلف مع مجموعة من الثورات الملوّنة في أوروبا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطى (2003-2005).
أعلن الروس صراحة، أنّ انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف هو خط أحمر روسي، وسيتسبّب بحرب. وبالفعل، تسبّبت رغبة الرئيس الجورجي ساكاشفيلي بضمّ الأقاليم التي تتمتّع بحكم ذاتي بدخول عسكري للقوات الروسية إلى جورجيا وإعلان استقلال كلّ من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وهزيمة الجيش الجورجي عام 2008.
تأثير الحرب الأوكرانية
منذ عام 2014، وبعد الثورة الأوكرانية الثانية، والتي يطلق عليها الروس “الانقلاب”، يتمّ الحديث عن دخول أوكرانيا في حلف “الناتو” من دون التوصّل فعلياً لهذا الأمر.
وفي تشرين الثاني من عام 2021، وقّعت الولايات المتحدة وأوكرانيا ميثاق شراكة استراتيجية تدعم حقّ أوكرانيا في دخول حلف “الناتو”، وهو ما اعتبرته روسيا خطاً أحمر، فهدّدت بالتصعيد، ودعت الأمريكيين والأوروبيين إلى التفاوض لإعلان حياد أوكرانيا.
رفض وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن هذا الأمر، وتسبّب الرفض الغربي بالحديث عن إمكانية حياد أوكرانيا إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في شباط من عام 2022.
وكان تأسيس “مجلس حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا” لتعميق التعاون والالتزام بعضوية أوكرانيا المستقبلية، عاملاً إضافياً في تصوّر التهديدات الروسية الذي سعّر الحرب الأوكرانية وجعلها مسألة أمن قومي روسي لا يمكن التفريط به.
انخرط حلف “الناتو” بفعّالية في الحرب الأوكرانية، بتقديم المساعدات العسكرية المختلفة لأوكرانيا، بالإضافة إلى المساهمة في التدريب والتجسس وحرب المعلومات، وتقديم أسلحة متقدّمة مثل الدبابات وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات من دون طيار والمدفعية، وإطلاق الصواريخ إلى الداخل الروسي.
من ناحية أخرى، استغلّ الحلف نشوب الحرب الأوكرانية ليتوسّع ضمن أوروبا وعلى الحدود الروسية، فيضمّ كلّاً من فنلندا والسويد، وينشر قوات إضافية في الدول الأعضاء المتاخمة لروسيا وأوكرانيا، كبولندا ورومانيا ودول البلطيق.
عملياً، بعد قيام الكونغرس الأمريكي في كانون الأول من عام 2023، بإقرار قانون يمنع أيّ رئيس أمريكي من الخروج من حلف شمال الأطلسي من دون موافقة مجلس الشيوخ أو بإصدار قانون من الكونغرس، تتعطّل قدرة الرئيس الأمريكي ترامب على الانسحاب من حلف “الناتو” بسهولة كما كان يهدّد خلال فترته الأولى، لذا فهو يعمد إلى إضعاف الحلف من خلال ما يلي:
–الضغط على الدول الأعضاء لزيادة موازناتها لغاية 5% من الناتج القومي، وهو أمر متعذّر بسبب الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها منذ جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والتضخّم والركود.
– أعلن ترامب عن خفض الدعم لأوكرانيا على أن تقوم أوروبا بتوفير الحصة الساحقة من المساعدات العسكرية وغير العسكرية المستقبلية لأوكرانيا. وهنا يبرز موضوع إعادة الإعمار، والجهة التي ستقوم بذلك، إذ إنّ الروس سيطالبون بالإفراج عن الأموال الروسية المجمّدة والتي كان الأوروبيون يستخدمونها لمساعدة أوكرانيا.
– قطع الطريق على انضمام أوكرانيا إلى “الناتو”، وهو موضوع كانت قد تصلّبت فيه إدارة بايدن التي أعلنت، أنّ حقّ أوكرانيا في الانضمام إلى الحلف لا مساومة عليه.
وعليه، بنتيجة المحادثات التي تجري لإنهاء الحرب الأوكرانية، لن يقبل الروس بتكرار خطأ غورباتشوف حيث يثقون بتعهّدات شفهية من الأمريكيين، بل سيطالبون بتعهّدات خطية بحياد أوكرانيا وعدم انضمامها للحلف في المستقبل، وعدم توسّع “الناتو” إلى حدودهم، وهو ما يبدو ترامب مرناً في قبوله.



