اراء

هذه هي فصول المخطط الأمريكي لخراب لبنان

بقلم: محمد الحسيني..

سيناريو الفتنة يتكرّر.. قبل نحو 32 عاماً، وبعد نحو شهرين على هزيمة “إسرائيل” في عدوان تموز، اعتصمت جماهير المقاومة تحت جسر المطار في 13 أيلول 1993، رفضاً لاتفاق أوسلو (غزة – أريحا).. آنذاك كان العدو الصهيوني قد أخفق في “تصفية الحساب” وفشلت فرقه العسكرية وسلاحه الجوي المتفوّق في تحقيق هدفه بالقضاء على المقاومة الإسلامية، وكذلك في الضغط على بيئة حزب الله بتهجير أبنائها من قراهم الجنوبية المتاخمة لما كان يُعرف بـ”الشريط المحتل”.

آنذاك، تحرّك الجيش اللبناني لأسباب مجهولة، ولدواعٍ ملتبسة، وأطلق النار على المتظاهرين المدنيين العزّل الذين تسلّحوا باليافطات والصرخات، يندّدون بالاحتلال وعملائه ويناصرون فلسطين وقضيتها، وسقط تسعة شهداء وعدد من الجرحى برصاص الجيش، تلقفت قيادة المقاومة الأمر بصبر وحكمة بالغَين، فالصِدام مع الجيش خط أحمر حتى لو أخطأت القيادة السياسية في الدولة بتقدير الأمور.. العدو الأساسي هو الاحتلال الصهيوني.

ما أشبه اليوم بتلك المرحلة ولكن مع زخم أقوى وأقسى وتوجّه أعمق وأشرس، فالمنطقة الآن ذاهبة في العصر الترامبي إلى “شرق أوسط جديد” ينطوي في داخله على مشروع “إسرائيل الكبرى” ومحو القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني إلى خارج أرضه في أنحاء البلاد العربية وغير العربية، وتوطين أبناء “الشتات” منهم في أماكن وجودهم ولا سيّما في لبنان وسوريا، وتحويل قطاع غزة إلى واحة تجارية يرسو فيها القطار الهندي، وتتحوّل إلى رصيف تجاري ضخم بمثابة حديقة خلفية لميناء حيفا، ومكان ملائم لتحميل النفط العربي المنهوب إلى أوروبا ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. و”إسرائيل” في كل هذا تتربّع على قمة شركة الـ”هولدينغ” الأمريكية.

ولكن ما علاقة هذا المشروع بقرار الدولة اللبنانية منع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار بيروت؟! وكذلك بفرض النظام ومنع التعدّيات على الأملاك العامة وقطع الطرقات، وفق الإعلان المرتبك لرئيس الحكومة نواف سلام؟! وما الرابط بين لبنان والمشروع الترامبي الرامي إلى سرقة قطاع غزة بذريعة تحويلها إلى “ريفييرا” الشرق الأوسط؟!.

استفهامات كثيرة وأسئلة كبيرة والجواب واضح، طالما أن الأمر يتعلّق بالحلم الأمريكي -الصهيوني القديم- الجديد الذي لا ينفكّ يتجدّد في كل استحقاق ويتكرّر طرحه بعد كل نزال عسكري تنهزم فيه “إسرائيل”، خصوصاً بعد العام 1982، حيث بدأ سجلها الانحداري على يد المقاومة في لبنان وفلسطين.

أما في لبنان، فإن هناك عقبة كأداء تقف حائلاً دون استكمال المشروع – الحلم تجسّده المقاومة، ولكن وفق التقدير الأمريكي – “الإسرائيلي” – العربي، يمكن التعامل مع هذه العقبة باستعادة الأجواء الضاغطة التي تلت الاجتياح “الإسرائيلي” عام 1982 والحرب في العام 1993، خصوصاً أن الخريطة “الجيوسياسية” في المنطقة قد تغيّرت، فلا نظام داعم للمقاومة في سوريا، ولا خطوط اتصال بين إيران ولبنان، وقرار منع الطيران الإيراني من الوصول إلى بيروت يدعّم هذا الفصل بشكل فعّال، ولم يتبقَّ سوى ضرب بيئة المقاومة لكي تكتمل فصول تنفيذ المشروع، وهي البيئة التي عانت ولا تزال تعاني الحصار المباشر والقاسي منذ العام 2018 وحتى اليوم، وهي التي لم تلملم جراحها بعد، نتيجة العدوان الأخير، وتكابد للعودة إلى قراها ومنازلها التي لا تزال قابعة تحت الاحتلال عند الحافة الجنوبية مع فلسطين المحتلة.

كل ما يجري على أرض لبنان من جنوبه إلى ضاحيته -وقد يتمدّد إلى كل منطقة تحتضن بيئة المقاومة- ينذر بمشروع أكبر من مجرد انصياع لبناني رسمي لقرار أمريكي وإشارة “إسرائيلية”، فالمطلوب اليوم هو سحق كل ما يمتّ للمقاومة بصلة حتى لو كان عبارة هزيلة في بيان وزاري أو تظاهرة سلمية تطالب بفك الحصار عن أبناء وأخوة لبنانيين في إيران أو مطالبة بتحرير ناجز للأرض المحتلة وتأمين عودة أبناء الجنوب الآمنة والكريمة إلى قراهم، والأخطر من ذلك هو ضرب أية صلة بين هذه البيئة وقيادتها ورموزها ودفعها إلى اليأس، وقد بدأت هذه الحملة بمحاولة دق إسفين بين بيئة المقاومة والجمهورية الإسلامية من خلال الترويج بأن إيران قد تخلّت عن حزب الله وقياداته، وتخلّت عن الشيعة في لبنان، وتذهب للتفاوض مع واشنطن لحفظ رأسها.

وما إقحام الجيش اللبناني ووضعه في مواجهة شريحة محدّدة من الشعب اللبناني إلا واحد من فصول الفتنة التي طالما فشلت الإدارة الأمريكية و”إسرائيل” في تنفيذها، وهي اليوم تهدف إلى أمور خبيثة أهمها:

الأول: إظهار المقاومة وقيادتها، ولا سيّما بعد استشهاد الأمين العام الأقدس سماحة السيد حسن نصر الله، بأنها غير قادرة على حماية بيئتها، سواء في الرد على استمرار الاعتداءات الصهيونية من جهة أو التصرّف حيال عمليات القمع التي يقوم بها الجيش اللبناني بخلفيات مشبوهة، ما يضعف ارتباط هذه البيئة بقيادتها.

الثاني: توجيه اللوم إلى المقاومة بتأخير الانسحاب “الإسرائيلي” بسبب ما تقوم به بيئتها وأنصارها من احتجاجات تستنزف الجيش اللبناني وتمنع انتشاره في القرى الجنوبية، فضلاً عن تحميلها مسؤولية إحجام الدول المانحة عن تمويل عملية إيواء وإعادة إعمار القرى الجنوبية المدمّرة.

الثالث: القضاء بشكل مبرم على مقولة “شعب، جيش، مقاومة” من خلال تصوير شعب المقاومة بأنه على طرف نقيض مع الجيش، والذريعة ما تقوم به بيئة المقاومة من اعتراض على قرارات الحكومة والقيام بأعمال مخالفة للقانون ومحاولة منع الجيش من القيام بمهامه في ضبط الأمن.

الرابع: دقّ إسفين بين بيئة المقاومة وقيادتها على وفق سياسة “إسقاط الرمز”، وإرساء حال من التباعد وانعدام الثقة بينهما، وإشعار الطائفة الشيعية على وجه الخصوص بأنها شريحة منبوذة طالما أنها متمسكة بهذه القيادة ومستمرة في اتّباع نهج المقاومة، وبالتالي دفعها إلى خيارات الارتماء في أحضان أطراف أخرى تؤمن لها رخاء الانتماء إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

الخامس: توتر الأجواء الداخلية بما يؤدي إلى تخريب الاستعدادات الجارية لتشييع سيد شهداء الأمّة والسيد الهاشمي، وقد يقود هذا الأمر -على ما فيه من خطورة- إلى حد جرأة المطالبة بمنع حصول التشييع بصورته الجماهيرية، خصوصاً أن الحضور الذي يؤمنه شعب المقاومة لا يحتاج إلى حشد إضافي من أية جهة داخلية أو خارجية، وبالتالي الدفع باتجاه الاكتفاء بتشييع رمزي بذريعة الحرص على استقرار الأمن والهدوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى