حكومة العبادي بعد عامين … تحديات ونجاحات وإخفاقات


يبدو ان رئيس الوزراء حيدر العبادي بعد عامين من توليه منصب رئاسة الوزراء خلفاً لنوري المالكي، أكثر تفاؤلا بإمكانية خروج العراق من عنق الزجاجة، بعدما لاحت مؤشرات واضحة بقرب نهاية تنظيم داعش في العراق باكتمال تحرير محافظة نينوى خلال الشهور القليلة المقبلة، التي تعد المعقل الرئيس للتنظيم بعدما سيطر عليها في حزيران من عام 2014، أي قبل تولي العبادي منصب رئاسة الوزراء بشهرين فقط. عرف عن العبادي على عكس سلفه المالكي، مرونته والاعتدال والهدوء والتواصل مع مختلف الفرقاء من الاكراد والسنة والشيعة، وبرغم ان الملفات والقضايا العالقة في عهد المالكي بقيت على حالها في عهد العبادي، إلا ان اجواء التشنج والاحتقان خفت وخفتت الى حد كبير. ويصف بعض من يتعاملون ويجلسون مع العبادي خلف الابواب المغلقة لساعات طوال، بأنه يمتلك قدرة واستعدادا للنقاش والاستماع لمختلف الاراء ووجهات النظر، حتى تلك الناقدة له، بيد انه في نهاية المطاف يسير في الطريق الذي اختاره لنفسه مسبقا، ويتخذ القرارات التي يراها صائبة دون ان يعبأ كثيرا بمعارضة ورفض شركائه في الحكومة والتحالف الوطني (الكتلة البرلمانية الاكبر) والقوى الاخرى في الفضاء الوطني. وجد حيدر العبادي- الذي جاء لرئاسة الحكومة في ظل ملابسات كثيرة، ارغمت سلفه المالكي على التنحي-نفسه أمام تحديين خطيرين، الاول امني، تمثل بسيطرة تنظيم داعش على مساحات غير قليلة من الجغرافية العراقية خلال مدة زمنية قصيرة، والثاني هو التحدي الاقتصادي، الذي افرزه الانخفاض الحاد في اسعار النفط، الذي يعد المصدر الاساس، بل يكاد يكون الوحيد، للدخل القومي العراقي. ومنذ البداية بدت مهمة العبادي صعبة ومعقدة وشائكة، بحيث ذهبت تكهنات بعض الاطراف الداخلية والخارجية الى ان الرجل لن يصمد طويلا، وسيضطر حينما يشعر بالعجز عن تحمل الضغوط عليه، الى التنحي وترك المنصب. بيد ان ذلك لم يحصل وبدا الرجل، الذي صورته العديد من وسائل الاعلام ومؤسسات الرأي والتحليل على انه مرتبك وضعيف ويفتقر الى الكاريزما المطلوبة لمن يشغل المنصب التنفيذي الاول في بلد مثل العراق، بدا يتمتع بقدرة كبيرة على المناورة وامتصاص واستيعاب الصدمات، والتوفيق بين المتناقضات من المواقف والتوجهات. لعله يمكن القول ان العبادي نجح الى حد كبير في تحويل التهديد الى فرصة بالنسبة له، فظهور تنظيم داعش خلق جوا سياسيا وشعبيا واسعا ضده، من خلال فتوى المرجع الديني الكبير اية الله العظمى السيد علي السيستاني بوجوب الجهاد الكفائي، وما ترتب عليها من تشكيل فصائل الحشد الشعبي، وهو ما اتاح للعبادي التحرر من ضغوط خصومه ومنافسيه، وكذلك الانعتاق من قوانين واطر وضوابط ما كان له ان ينعتق منها في ظل الظروف والأوضاع الطبيعية، وبالتالي يكسب قوة وحصانة أكبر في مواجهة محاولات اسقاطه، سواء كانت من داخل فضائه الحزبي، أو من فضاءات سياسية أخرى، فضلا عن ذلك فان الحرب على داعش اطلقت يده في التحرّك بعيدا عن السياقات التي يعدها مقيدة ومعرقلة له. مضافا الى ظهور تنظيم داعش، فأن العبادي وجد في الأزمة المالية الخانقة التي واجهتها البلاد فرصة جيدة للإقدام على خطوات اصلاحية جريئة-برغم انها لم تكن كافية ولا مقنعة بالكامل-سعى من ورائها الى تقليص وضغط النفقات، من قبيل تخفيض رواتب وامتيازات الرئاسات الثلاث والوزراء ووكلائهم وأعضاء البرلمان، بل وحتى موظفي بعض المؤسسات. وقطع الرواتب التقاعدية عن أصحاب الدرجات الخاصة، وما الى ذلك من خطوات، لاقت قبولا شعبيا لا بأس به. لكن في الاطار العام بقيت الامور تدور في حلقة مفرغة، ولم تحدث خلال العامين المنصرمين تحولات ومتغيرات كبرى يعتد بها، بحيث تكون معطياتها الايجابية قد انعكست على الشارع العراقي، فمؤشرات الفساد الاداري والمالي لم تتبدل كثيرا، وبقي عشرات-أو مئات والاف-المفسدين في المواقع العليا للمنظومة المؤسساتية للدولة بعيدين عن المساءلة والحساب، وبقي الترهل في عموم الجهاز الحكومي قائما، وبقيت الخطط والإجراءات والسياقات الامنية عقيمة وغير مجدية، ولم تفلح بمنع الجماعات الارهابية من الوصول الى المدنيين وحصد أرواح الكثير منهم بتفجير السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، وبقيت النزاعات والمشاحنات والتقاطعات بين القوى والشخصيات السياسية هي المهيمنة على عموم المشهد، وبقي ملف التعيينات بالوكالة المثير للجدل على حاله، ان لم يكن قد توسع وتمدد أكثر من ذي قبل. صحيح ان الاوضاع الامنية والاقتصادية، كانت خلال العامين المنصرمين من عمر حكومة العبادي، ومازالت صعبة وحرجة للغاية، بيد ان عدم حسم ولو جزء من الملفات والقضايا العالقة، سيجعل مرحلة ما بعد داعش، لا تخلو من تحديات كبرى قد لا تقل في خطورتها عن تحديات مرحلة داعش، وما سيضيف المزيد من التعقيد على المشهد العام، هو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، المتمثلة بانتخابات مجلس المحافظات في ربيع عام 2017، وانتخابات مجلس النواب في صيف عام 2018، هذا اذا لم يصار الى دمج الاستحقاقين وإجرائهما معا عبر تكييف قانوني-دستوري معين.
طبيعي ان ينشغل العبادي كشخص وكزعيم سياسي وحزبي، بترتيب اوراقه وتحالفاته الانتخابية، وطبيعي انه سيصطدم بالبعض من شركائه، وسيتوافق ويتفاهم مع البعض الاخر، وهذا بحد ذاته، يعني ان العامين الاخيرين من حكمه سيشهدان تشنجات واحتقانات من نوع اخر، مع الأخذ بالحسبان ان منهج الاستهداف المتبادل بين كبار الساسة والمسؤولين، واللجوء الى نشر الغسيل، قد لا يبقي العبادي بعيدا عن دائرة التصويب المباشر أو غير المباشر، ناهيك عن ان مشاهد قيام مئات المتظاهرين بدخول المنطقة الخضراء واقتحام مبنى مجلس النواب، ومن ثم مبنى الامانة العامة لمجلس الوزراء، ستبقى حاضرة في ذهن العبادي، وتشكل له ولآخرين هاجسا مقلقا، في ظل اتساع مساحات المطالب، وضيق مساحات التفاعل والاستجابات، في ساحة مرتبكة وقلقة جدا، تفتقر الى أبسط عوامل الثبات والهدوء والاستقرار. خلاصة القول ان العبادي اجتاز عامين من حكمه بنجاح نسبي، وانجازات معلقة غير مكتملة، وإخفاقات ظاهرة، واغلب الظن ان العامين المتبقين له في رئاسة الوزراء لن يكونا أفضل من سابقاتهما.
إلا اذا …؟!.



