في ذكرى مولده.. الإمام الرضا يتحدى السلطة بالسلاح الأقوى

محمد علي جواد تقي..
“إنَّ لفي صُلبِكَ عالِمُ آل محمد وليتني أدركتُه فرأيتُه”، الإمام الصادق يخاطب ابنه موسى الكاظم، عليهما السلام.
العلم والمعرفة مرام الإنسان طوال حياته، والتعبير الغريزي عن حب الاطلاع والاكتشاف منذ أول نفس له في هذه الحياة، وبمقدار استيعابه، تكون قوة شخصيته وتأثيره في الحياة، وقد جاءت الرسالات الإلهية لتُولي هذا الجانب أهمية بالغة وتحثّ الانسان على طلب العلم والتفكّر ليكون المصباح الهادي الى الحرية الحقيقية، كما تكون الوسيلة التي يحارب بها كل أشكال العبودية لنظيره الانسان، ومن ثمّ؛ يكون الانسان المقتدر والناجح في الحياة.
وكما هي مهمة الانبياء والمرسلين عبر التأريخ، فإن الأئمة المعصومين، عليهم السلام، يمثلون الامتداد الطبيعي لتلك المهمة، وهي تحديداً كانت مصدر مخاوف حكام الجور والطغيان لما يجدون فيها النور الذي يكشف حقيقة شخصيتهم الوضيعة أمام الناس، وتهديداً لوجودهم في قمة السلطة، وهذا ما تجسّد جلياً في حياة الإمام الرضا، عليه السلام، الذي نعيش هذه الايام ذكرى مولده السعيد في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام، وكان في الطرف الآخر؛ المأمون العباسي الذي يعده بعض المؤرخين من أذكى الحكام العباسيين يزعمون أنه ابتكر للمرة الأولى أسلوب المواجهة بسلاح العلم والمعرفة ضد المسيرة الرسالية لأهل بيت رسول الله، بعد أن كان المعروف في الأمة أسلوب التغرير، والتضليل، والقتل، منذ عهد معاوية، مروراً بالحكام الأمويين، ومن بعدهم العباسيين.
الحدّ الفاصل بين الحب والمعرفة
وهذا كان أحد أهداف الإمام الرضا، منذ توليه الولاية من بعد أبيه الامام الكاظم، عليهما السلام، فقد كان المسلمون طيلة السنوات الماضية يكنون الحب الشديد للأئمة المعصومين لطيب أخلاقهم، وحسن معاشرتهم للناس، حيث الكرم، والسخاء، والعفو، والتواضع، وسائر الفضائل التي شحّت على أبناء الأمة آنذاك في ظل نظام اجتماعي وسياسي فاسد، ونضيف سبباً آخر، ربما يكون الأقوى؛ قرابتهم من رسول الله، وتداولهم الاحاديث المروية عنه، صلى الله عليه وآله، بوجوب حبهم والتودد اليهم، والقضية تعود الى عهد الامام الحسين، عليه السلام، فقد كان الناس يجهشون بالبكاء في الكوفة لمجرد أن ينطق الامام السجاد بكلمة، او تتكلم العقيلة زينب، بينما بالأمس شاركوا بأنفسهم في قتل الامام الحسين، عليه السلام، وهكذا الحال استمر مع سائر الأئمة المعصومين، فقد كانت أزمة العلم والمعرفة تفتك بعلاقة أفراد الأمة بأئمتها وقادتها من بعد رسول الله.
حتى في عهد الإمام الصادق، عليه السلام، حيث نقرأ في التأريخ ازدحام ثلاثين ألف راوٍ وفقيه على المجلس العلمي للإمام، وهم يقولون: “حدثني جعفر بن محمد”، بيد أن التلاميذ الحقيقيين والأصحاب الخُلص المقربين لم يكونوا سوى على عدد أصابع اليد، مثل هشام بن الحكم، ومحمد بن مسلم، و زرارة بن أعين، ممن كانوا يعرفون حقيقة الامام الصادق حق معرفته، ولم يكونوا مثل أولئك الآلاف المؤلفة التي حاول أحدهم التغرير بهم عنده، عليه السلام، على أنهم سيوف مشرعة بين يديه إذا ما خرج عن صمته وأفتى بالجهاد ضد السلطة، وبينا هو يكثر في الثناء على أصحابه، جاء أحد اصحاب الامام، فطلب الامام منه الدخول في تنور قريب منهم مسجور بالنار، فلم يتردد لحظة واحدة، كما لو أنه طلب منه الجلوس على السجادة، فدخل وسط دهشة ذلك الرجل “الثائر” القادم من خراسان.
وفي طريقه الى خراسان، كان الناس يستقبلون الامام الرضا بدموع الفرح، وصرخات الهتاف بحياته، وفي بعض المصادر أنهم كان يُغشى عليهم من شدة البكاء فرحاً وسروراً للقائهم بالامام الرضا! بينما الإمام وسط هذه المشاعر الجياشة أطلق حديثه الشهير المعروف بحديث سلسلة الذهب استجابة لطلب عدّة من العلماء ورواة الحديث خلال وجوده في مدينة نيسابور، بأن “يا بن رسول الله! ترحل عنّا ولا تحدثنا بحديث نستفيده منك؟ وكان في داخل المحمل أو الهودج على دابة، فأطلع رأسه منها وقال: “سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَقُولُ: سَمِعْتُ جَبْرَئِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي فَلَمَّا مَرَّتِ الرَّاحِلَةُ نَادَانَا بِشُرُوطِهَا وَأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا”.
وحسب المؤرخين فإن الامام الرضا، عليه السلام، كرر هذا الحديث مرات عدّة في طريقه من المدينة الى خراسان لينشر أهم فقرة في العقيدة، وهي؛ التوحيد لمواجهة أكبر تحدٍ فكري واجه الأمة في عهده، وهو؛ الجحود، والتشكيك بوجود الخالق، وظهور تيارات الجدل والزندقة برجالاتها، وفي ظل صمت سلطوي مقصود.
ولعل حادثة المحاورة التأريخية بين الإمام الرضا، عليه السلام، و رؤساء الأديان وأصحاب الكلام (الفلسفة) بدعوة خاصة من المأمون العباسي، واحدة من أبرز جولات الإمام الرضا الفكرية لنشر علوم ومعارف الإسلام الحقيقية كما وصلت من الوحي الى جدّه المصطفى، وكان المأمون يتصور –كما تصور من قبله الحكام، وعامة الناس- أن الامام الرضا، عالمٌ كأي عالم آخر، يمكن محاججته ومجادلته والإطاحة به بأسلوب الجدل والمغالطة، وكان من المدعوين؛ عمران الصابئي، الذي كان يخشاه الناس لشدّة جدله ومراوغته في الكلام، ولكنه انحنى أمام الامام الرضا في نهاية المطاف، كما انحنى “الجاثليق”، وهو ممثل النصرانية آنذاك، و”رأس الجالوت”، ممثل اليهودية عندما حاججهم بكتبهم المقدسة فلم يكن لهم خيار سوى الاستسلام لأدلة وبراهين الإمام الرضا عليه السلام.



