ثقافية

الغزو الاسباني للفلبين.. حكاية المقاومة الاسلامية

96

علي العامري

عرف العرب والمسلمون منذ القدم جزر الفلبين وأطلقوا عليها اسم “جزر المهراج”، وتقع الفلبين في جنوب شرقي آسيا على شكل أرخبيل يضم أكثر من سبعة آلاف جزيرة، تتفاوت في مساحتها تفاوتاً كبيراً، ومعظمها غير مأهول بالسكان، وتعد الفليبين جزءاً من أرخبيل الملايو الذي يضم ثلاث دول، وهي: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وهي الدول العامرة بالخيرات والثروات الطبيعية ممَّا جلب عليها أطماع الدول الأوروبية.
بدأ الإسلام في جزر الفلبين في منتصف القرن الثالث الهجري عن طريق التجارة، وربما كان وصول أوائل المسلمين إلى تلك الجهات يعود إلى عام 270 هـ، ولمَّا وَجَدوا الأرض بكراً وصالحة للدعوة بدأ الدعاة يَفِدون إليها، ثم انتقلوا إلى الجُزُر الوسطى في القرن الخامس، وبُني أوَّل مسجد في جُزُر صولو عام 679هـ.
انتشر الإسلام بصورة كبيرة في الفلبين نحو (800 هـ ـ 1380 م) ورافق ذلك زيادة في قدوم الدعاة، وكان الدعاة والتجار عرباً وهنوداً وماليزيين وإندونيسيين. وكان التجار العرب من الحجاز واليمن وحضرموت عندما كانوا يقومون برحلاتهم الشهيرة إلى الصين، ومن هذا التاريخ بدأ الإسلام ينتشر من الشمال إلى الجنوب، ولم يأتِ القرن العاشر حتى كانت الجُزُر كلها تحت سيطرة إمارات مسلمة، أشهرها:
ـ سلطنة صولو: التي كانت تشرف على أكثر إمارات وممالك الجنوب، وقد كان أول من تولى السلطنة فيها الشريف الهاشمي أبو بكر، وهو قادم إلى الفلبين من حضرموت.
ـ سلطنة مندناو: التي تولاها السلطان الشريف محمد قبونصوان (محمد كابونسوان)، وهو قادم من ولاية (مالكا أو ملقا)، وقيل: إن أباه عربي وأمه من مالكا.
ـ مملكة أمان الله: التي غيرها الصليبيون بعد ذلك الى “مانيلا”، وتشرف على إمارات وممالك الشمال في مانيلا، وأول سلطان لها رجا سليمان.
ـ سلطنة ماكتان: وكان من أشهر سلاطينها السلطان المسلم لابو لابو.
صراع اسبانيا والبرتغال:
وفي اوربا، كما كان فاسكو دي جاما أشهر بحارة البرتغال ومكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، كان فرناندو ماجلان أشهر بحارة إسبانيا، ونظراً للتنافس الكبير بين إسبانيا والبرتغال قررت الأولى إرسال حملة بحرية تدور حول أفريقيا لتكتشف طريقاً جديداً للتجارة يصلون خلاله مباشرة إلى مناجم الثروات الطبيعية في جنوب شرق آسيا دون المرور على المراكز البرتغالية التي تتحكم في حركة التجارة العالمية وقتها.
خرج ماجلان بحملة بحرية مكونة من خمس سفن وطاقم مكون من 265 بحاراً، لاكتشاف الطريق الجديد، وذلك في أواخر سنة (925 هـ ـ 1519 م)، فظل في رحلته البحرية طوال عشرين شهراً في غير فائدة حتى استبد اليأس بقلبه، وأخيراً رست سفن ماجلان على سواحل الجزر الفلبينية.
وقد ظن ماجلان أنه وصل جزر المولوك المشهورة بالتوابل ولكن سرعان ما اكتشف الحقيقة، فأطلق على الجزيرة التي رست سفنه عندها اسم “سانت لازار”، فاتفق ماجلان مع حاكم جزيرة سيبو ويُدعى (هومابون) وكان وثنياً على أن يدخل النصرانية مقابل أن يكون ملكاً على جميع الجزر تحت اسم ملك إسبانيا، وفي المقابل يعمل ماجلان بجنوده وأسلحته النارية على توسيع ملك (هومابون) وتمكينه من السيطرة على سائر الجزر.
انتقل ماجلان من جزيرة سيبو إلى جزيرة ماكتان وكان عليها السلطان المسلم “لابو لابو”، فما علم الإسبان بإسلام أهل الجزيرة، أصابهم الغضب الشديد وثارت أحقادهم؛ فأضرموا النار في بيوت السكان وسرقوا مؤنهم، ورفض “لابو لابو” التسليم والخضوع للعرض الذي قدمه ماجلان كما فعل مع (هومابون)، فحشد ماجلان قواته وقرر تأديب “لابو لابو” حتى يكون عبرة لغيره من الأمراء والسلاطين.
معركة ماكتان:
خطب ماجلان بكل صلف وعنجهية واستعلاء في أهل جزيرة ماكتان قائلاً “باسم المسيح أطلب منكم التسليم، ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد”. فأجاب السلطان “لابو لابو” بكل عزة وشموخ “إن الدين لله، وإنَّ الإله الذي أعبده هو إله جميع البشر على اختلاف ألوانهم”.
وفي 19 جمادى الأول 927 هـ ـ 27 نيسان 1521 م توقفت سفن ماجلان غير بعيدة عن الشاطئ وأنزلت القوارب الصغيرة وعليها الرجال المدججين بالسلاح والخوذ والتروس والدروع، في حين وقف أهالي الجزيرة ومعهم سهام مصنوعة من “البامبو” وبعض الرماح والسيوف القصيرة القديمة. تقدم جنود ماجلان متدافعين ونزلوا من قواربهم والتقى الجمعان.
انقض جنود ماجلان ليمزقوا الأجساد نصف العارية بسيوفهم الحادة ويضربوا الرؤوس بالتروس ومقاليع الحديد، ولم يهتموا بسهام “البامبو” المدببة وهى تنهال عليهم من كل صوب، فقد كانوا يصدونها بالخوذ والدروع. وتلاحمت الرماح والسيوف، وكان لا بد من لقاء المواجهة الفاصل بين لابو لابو وماجلان.
بدأت المواجهة بحذر شديد والتفاف كلّ حول الآخر، ثم فجأة انقض ماجلان بسيفه ـ وهو يحمى صدره بدرعه الثقيل ـ على الفتى المسلم عارى الصدر “لابو لابو” ووجه إليه ضربة صاعقة، فانحرف الفتى بسرعة وتفادى الضربة بينما الرمح في يده يتجه في حركه خاطفة إلى عنق ماجلان. لم تكن الإصابة قاتلة، ولكن انبثاق الدم كان كافيا لتصطك ساقا ماجلان المغمورتان في الماء وهو يتراجع إلى الخلف.
عاود ماجلان انقضاضه بالترس الحديد على رأس الزعيم المسلم، وللمرة الثانية يتفادى “لابو لابو” ضربة ماجلان وينقض بكل قوة بسيفه فيشق رأس ماجلان الذي سقط مضرجا بدمائه بينما ارتفعت صيحات الصيادين “لابو لابو”.
وكان سقوط القائد الرحالة ماجلان كفيلاً بهز كيان من بقي حيّاً من رجاله، ورفض “لابو لابو” تسليم جثة ماجلان للإسبان، ودفنه في أرض الجزيرة كرمز على نصر المسلمين على الصليبيين؛ فأسرع الأسبان يتراجعون عائدين إلى سفن الأسطول الذي لم يكن أمامه إلا أن يبتعد هارباً تاركاً خلفه جثة قائده ماجلان.
الانتقام الإسباني:
إثر معركة ماكتان أرسل الإسبان أربع حملات دينية متتابعة ليشفوا غليلهم وينتقموا من مصابهم، ومن سوء طالعهم أن هذه الحملات رست على شواطئ جزيرة مندناو في الجنوب حيث أغلبية السكان من المسلمين، ففتك المسلمون بتلك الحملات كلها وذلك خلال الفترة من 930 هـ حتى سنة 950 هـ/ 1524 م حتى 1543 م.
وكان “روي لوبيز” قائد الحملة الرابعة، وهو الذي أطلق على تلك الجزر اسم (الفلبين) على اسم ملك أسبانيا (فليب الثاني)، وخلال الحملات الأسبانية الفاشلة كوَّن الأسبان رؤية مستقبلية في التعامل مع صلابة المقاومة الإسلامية في الفلبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى