ترامب والعراق والملفات الإقليمية الشائكة

بقلم: عادل الجبوري..
بدا العراق كما لو أنه غائب تماماً عن حسابات واهتمامات وأولويات الرئيس الأمريكي القديم-الجديد، دونالد ترامب، إذ إن مجمل تصريحاته وقراراته التي أدلى بها واتخذها خلال الأيام الأولى من ولايته الرئاسية الثانية، لم تتطرق إلى العراق، لا من قريب ولا من بعيد.
في الوقت نفسه، فإن التعاطي العراقي مع دخول ترامب إلى البيت الأبيض مرة أخرى، افتقر إلى الوضوح، فالبيانات الرسمية الحكومية، اتسمت بالدبلوماسية التي تفرضها مناسبات وأحداث من هذا القبيل. وتصريحات وبيانات القوى السياسية تباينت بحسب علاقاتها مع واشنطن، أو موقعها في معادلات الصراع والمحاور الإقليمية والدولية.
وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن ولاية ترامب الرئاسية الأولى (2017-2021)، كانت حافلة بالكثير من الاحتقان والتشنج والتأزيم بين بغداد وواشنطن، بسبب الاستهدافات الأمريكية لقوات الحشد الشعبي، وانتهاكها السيادة الوطنية العراقية، حتى وصل بها الأمر إلى تنفيذ عملية اغتيال كل من نائب رئيس هيأة الحشد الشعبي أبي مهدي المهندس، وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، على أرض عراقية، وتحديداً قرب مطار بغداد الدولي، ناهيك عن دخول وخروج كبار الساسة الأمريكان، وفي مقدمتهم ترامب نفسه، إلى العراق بأساليب وطرق فجّة، في انتهاك صارخ لكل الضوابط والتقاليد والأعراف السياسية والدبلوماسية التي تنظم العلاقات بين دول وحكومات العالم.
أضف إلى ذلك، فإنه في عهد ترامب الأول، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العديد من الشخصيات السياسية والجهادية العراقية، تحت ذريعة ارتباطها بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو حزب الله اللبناني.
هذه المواقف الأمريكية السلبية حيال العراق، والتي كانت في جانب كبير منها، انعكاسًا لطبيعة شخصية ترامب ونهجه العدائي التأزيمي، تداخلت وتشابكت مع مجمل مواقفه وسياساته حيال جملة ملفات إقليمية، كالملف النووي الإيراني، وملف الأزمة السورية، وملف الصراع الفلسطيني-الصهيوني، وملف التطبيع بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية.
ولعله كان من الطبيعي جدًا، أن تختلط الأوراق، وتتشابك الخيوط، وتضطرب المسارات، لا سيما بعد عملية المطار في فجر الثالث من كانون الثاني 2020، واتخاذ البرلمان والقضاء العراقي قرارات استفزت واشنطن، من قبيل، إلزام الحكومة بإنهاء الوجود الأمريكي، ورفع دعاوى قضائية ضد ترامب باعتباره مجرمًا، فضلاً عن تصعيد العمليات العسكرية لفصائل المقاومة ضد القوات الأمريكية المتموضعة في قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، وقاعدة فيكتوريا في بغداد، وقاعدة حرير في أربيل، وأكثر من ذلك استهداف السفارة الأمريكية، لأنها تضم أعدادًا لا يستهان بها من الجنود، وتعد مركزًا لوضع الخطط والإشراف على تنفيذها ضد الحشد والمقاومة.
من كل هذه الخلفيات وغيرها عاد ترامب من جديد إلى البيت الأبيض، وهو متحمس جداً لقلب الأمور رأسًا على عقب، وتصحيح كل المسارات والسياسيات الخطأ لسلفه جو بايدن، وهذا لسان حاله في كل حديث قبل فوزه في السباق الرئاسي وبعد الفوز أيضاً.
بيد أن البدايات أشارت إلى عكس ذلك، فبدلاً من إعادة ترتيب الأوراق، وفك تشابك الخيوط، راح ترامب يضرب يمينًا وشمالًا، فمرة يشرع بترحيل اللاجئين إلى بلدانهم بواسطة طائرات عسكرية بطريقة مهينة ومذلّة، ومرة يطالب بتهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن، ومرة يفصح عن نيته الاستيلاء على دول ومناطق أخرى، ومرة يغيّر أسماء بحار وخلجان.
وفي خضم هذه التفاعلات والانفعالات، يبدو أن التعاطي الأمريكي-الترامبي مع الملف العراقي، يرتبط أو يتحدد بثلاث مسائل، هي:–
* مسارات الأمور في عموم المنطقة، لا سيما في سوريا ولبنان وفلسطين، لأن التصعيد يمكن أن يدفع واشنطن إلى تعزيز حضورها ووجودها العسكري في المنطقة، بدلاً من تقليصه، تحت ذريعة مواجهة تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى. لأن الولايات المتحدة التي عززت أساطيلها وجيوشها في المنطقة لمحاربة داعش قبل بضعة أعوام، وفق زعمها، ستجد في عودة هذا التنظيم إلى الواجهة، وخصوصًا بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، فرصة ذهبية لتعزيز ذلك الوجود وليس المحافظة عليه فقط.
* مسار العلاقات الأمريكية-الإيرانية، وفي ما إذا كان يتحرك باتجاه التهدئة وإعادة إحياء الاتفاق النووي، أم استمرار ترامب في التشبث بمواقفه التصعيدية المتشددة ضد طهران، ومواصلة سياسة “الضغوط القصوى” لإرغامها على الإذعان والاستسلام.
ومن غير الواضح ما إذا كان ترامب ومستشاروه، قد أدركوا أن تلك السياسة فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافها، وأنه لا بدَّ من التفكير والبحث عن أساليب ووسائل وأدوات أخرى للتعامل مع طهران التي أثبتت التجارب أنه من الصعب جداً-إن لم يكن من المستحيل-إخضاعها وتركيعها.
* طبيعة ومستوى الحضور العراقي في المحيط الإقليمي والفضاء الدولي، إذ كلما كان ذلك الحضور إيجابياً وبناءً وتفاعليًا في توسيع آفاق العلاقات ومدّ جسور التواصل، أتاح للعراق اكتساب نقاط قوة، تمكنه من فرض بعض من خياراته.
ولأن إشكاليات العراق مع الولايات المتحدة الأمريكية لا تقتصر على الوجود العسكري، إذ إن هناك قضايا وملفات اقتصادية ومالية، من قبيل تحكم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأموال العراق وعموم نشاطه الاقتصادي ذي الطابع الخارجي، فإن تفكيك تلك الإشكاليات يتطلب وقتاً غير قليل، ويتطلب أدوات ضغط فاعلة لا تترك إدارة ترامب تفعل وتقرر ما تشاء، وكيفما تشاء.
ويخطئ من يعتقد أن ترامب يمكن أن يحقق هدف حل الحشد الشعبي، أو حتى نزع سلاح الفصائل المسلحة المقاومة التي ربما كان لها دور واضح وملموس في الحرب ضد الكيان الصهيوني، وفي ردع واشنطن ومنعها من القيام بأفعال تتقاطع مع مصلحة وأمن البلاد.



