هل تغتال “الدولة العميقة” ترامب كي تبقى الحرب الأوكرانية معلقة؟

بقلم: جمال واكيم..
يبدو أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد بدأ ولايته الثانية بزخم قوي منذ الأسبوع الأول لاستلامه مقاليد الحكم، وهو ما انعكس تطبيقاً للشعارات التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، بما فيها وقف إطلاق النار في غزة بين الكيان الصهيوني وحركة المقاومة الإسلامية في غزة، أو في التحوّلات التي شهدها لبنان وسوريا، أو في تطبيق الوعود التي أطلقها لجهة وقف الدعم المالي لحلفاء الولايات المتحدة حيث أصدر البيت الأبيض قراراً بوقف الدعم المالي لجميع الدول باستثناء الكيان الصهيوني ومصر.
في هذا الإطار كان لافتاً قرار ترامب بوقف الدعم المالي لنظام الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فلاديمير زيلنسكي والتي ترافقت مع تصريحات للرئيس الامريكي تحمّل زيلينسكي مسؤولية إطالة أمد الحرب في أوكرانيا.
هذا أتى في سياق الوعود التي كان ترامب قد أطلقها بإيقاف الحرب الأوكرانية بالتوافق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وباعتراف واشنطن بانضمام القرم وإقليم الدونباس وخيرسون وزبروجيا إلى روسيا.
وعلى الرغم من استقبال الطرف الروسي لتصريحات ترامب بإيجابية، إلا أنّ الطرف الروسي يبقى متشكّكاً في قدرة ترامب على تجاوز الدولة العميقة في الولايات المتحدة التي يمكن أن تمنع الرئيس الأمريكي من تحقيق وعوده حتى إن وصل الأمر إلى اغتياله من قبل هذه الدولة العميقة.
تحذيرات باتروشيف
في هذا الإطار، وبعد تحذيرات رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري مدفيديف من إقدام الدولة العميقة في الولايات المتحدة على اغتيال ترامب، صدر مؤخّراً تحذير جديد من مسؤول روسي آخر من احتمال اغتيال ترامب من قبل الدولة العميقة الأمريكية.
ففي أحدث مقابلة له مع صحيفة كومسومولسكايا برافدا، قدّم كبير مساعدي الرئيس الروسي نيكولاي باتروشيف، الذي سبق وأدار جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بين عامي 1999 و2008 ثمّ مجلس الأمن الروسي بين 2008 و2024، ثلاثة تنبؤات مرتبطة بالأوضاع الدولية، كان أبرزها حول احتمال إقدام الدولة العميقة في الولايات المتحدة على قتل ترامب.
وقال باتروشيف، إنّ الصراع المتواصل بين ترامب و”الدولة العميقة”، المشكّلة من تحالف البيروقراطيات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية في الولايات المتحدة قد تحسم باغتيال ترامب.
وتوقّع باتروشيف، أن ينفّذ ترامب سياسات داخلية وخارجية براغماتية وأكثر انسجاماً مع مصالح الشعب الأمريكي، بشكل يتعارض كلياً مع السياسات التي سبق واعتمدها بادين. وبناء على ما شهدته ولاية ترامب الأولية بين عامي 2017 و2021، فإنّ باتروشيف شكّك في قدرة ترامب على تجاوز العقبات التي ستطرحها الدولة العميقة الأمريكية.
ورأى باتروشيف، أن إحدى أولويات السياسة الخارجية لترامب هي تكثيف الضغوط على الصين، مشيراً الى أن الصين كانت ولا تزال شريكاً بالغ الأهمية بالنسبة لروسيا التي تقيم معها علاقات تعاون استراتيجي متميّزة، مؤكّداً أنّ روسيا لن تطعن الصين في الظهر.
وأشار باتروشيف إلى أنّ ترامب ينوي تفكيك الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين، إلا أنّ روسيا لن تتجاوب معه، كذلك توقّع باتروشيف زوال أوكرانيا ومولدوفا ككيانين سياسيين نتيجة عدائهما لروسيا مع احتمال أن تنضمّ مولدوفا إلى رومانيا، وأن يتمّ تدمير المدن المزدهرة في أوكرانيا، بما في ذلك خاركوف وأوديسا ونيكولاييف ودنيبروبيتروفسك.
تحذيرات دوغين
بالتوازي مع تحذيرات باتروشيف، حذّر الفيلسوف الروسي الشهير ألكسندر دوغين من احتمال إقدام الدولة العميقة في الولايات المتحدة على اغتيال ترامب. واعتبر الفيلسوف وعالم السياسة والاجتماع الروسي، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أصبح رمزاً للأيديولوجية الجديدة يطلق عليها اسم “الترامبية”، مشيراً إلى أن الدولة العميقة الأمريكية ستلجأ إلى كلّ الوسائل لمنعه من تطبيق سياساته لتعارضها مع مصالحها، مؤكّداً أنّ محاولة اغتيال ترامب ستؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في الولايات المتحدة.
وقال دوغين في مقابلة مع وكالة “سبوتنيك”، إن الترامبية الآن موجة متصاعدة داخل المجتمع الأمريكي، وإنه لم يعد من السهل على الدولة العميقة إزالتها بسهولة حتى لو تمّ اغتيال ترامب، مؤكّداً: أنّ “محاولة انتقال الدولة العميقة إلى مقاومة أكثر تطرّفاً ضدّ ترامب عبر اللجوء الى اغتياله ستؤدّي بالتأكيد إلى حرب أهلية مدمّرة.”
وتابع دوغين قائلاً: إنه “بعد أنّ عيّن دونالد ترامب جيه دي فانس كنائب له، علماً أنه شاب مؤيّد لأيديولوجيا ترامب، وبعدما انضمّ أشخاص مثل إيلون ماسك وروبرت كينيدي وتولسي غابارد إلى فريقه، لقد أصبح من الواضح أنّ ترامب بات يمثّل رمزاً واتجاهاً وفكرة، بل أيديولوجيا جديدة.”
تصعيد يسبق التسوية
قد تكون المعارضة التي يواجهها ترامب من قبل الدولة العميقة خصوصاً فيما يتعلق بالوضع في أوكرانيا هي التي قد تدفعه إلى التصعيد على المدى القصير قبل الدخول في تسوية مع روسيا، هذا يفسّر ما أعلنه الأستاذ في جامعة هلسنكي توماس مالينين، من أنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من رئاسة دونالد ترامب، يمكن أن يحصل تصعيد في أوكرانيا.
وحذّر مالينين في مقال لموقع “جي إن إس إيكونوميكس” من تصعيد كبير يمكن أن يحدث في أوكرانيا خلال الأيام المئة الأولى من ولاية دونالد ترامب الثانية، مشيراً إلى أنّ ترامب يقوم بترهيب كييف لتليين مواقفها بغية خلق بيئة أكثر ملاءمة للمفاوضات مع موسكو، لتسوية سياسية للأزمة الأوكرانية.
وكان ترامب قد أعلن بعد يومين على تولّيه السلطة مجدّداً، أنه لا يريد إيذاء روسيا، ودعا إلى إنهاء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وهدّد بفرض عقوبات جديدة ورسوم كمركية على جميع الصادرات الروسية إلى الولايات المتحدة إذا لم تتجاوب موسكو مع يد واشنطن الممدودة للسلام.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، أنّ الرئيس ترامب أوعز إلى مبعوثه الخاص بشأن أوكرانيا، كيث كيلوغ، بإنهاء الصراع الأوكراني في غضون المئة يوم الأولى من ولاية ترامب الرئاسية الجديدة. وعبّر ترامب عن أمله في بدء المفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤكّداً ثقته بقدرته على تحقيق تسوية شاملة للأزمة في أوكرانيا عبر الحوار.



