التوكل على الله من منظور الإمام الجواد(ع)

أحمد عبد زيد الجبوري..
التوكل على الله هو مفهوم أساسي في الإسلام، يحمل معاني عميقة للثقة الكاملة بقدرة وإرادة الله عز وجل، فيعتبر التوكل أحد السمات الأساسية للمؤمنين، حيث يؤمنون بأن الله هو المدبر لشؤونهم (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)، ويعتمدون عليه في جميع أمور حياتهم (وَكَفَى بِاللَّـهِ وَكِيلًا)، فيعتبرون أن كل ما يحدث في حياتهم هو بمشيئة الله عزوجل (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا)، وله حكمته الخاصة في ذلك الحدث، اذ تعتبر الثقة بالله والتوكل عليه طريقا للسعادة والسلام الداخلي، فهي مفتاح للتغلب على الصعوبات والتحديات التي قد تواجه الإنسان في حياته كما جاء في حديث الإمام الجواد عليه السلام قال فيه: (مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ أَرَاهُ السُّرُورَ وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الْأُمُورَ وَالثِّقَةُ بِاللَّهِ حِصْنٌ لَا يَتَحَصَّنُ فِيهِ إِلَّا مُؤْمِنٌ أَمِينٌ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَحِرْزٌ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ).
إنَّ فضل التوكل على الله يتجلى في السرور الذي يشعر به المؤمن الذي يثق بالله ويعتمد عليه في جميع أموره (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، وهذا التوكل يمكن أن يكون حصنا قويا يحمي المؤمن من تداعيات الحياة ومن مؤامرات الأعداء، فإذا كان التوكل على الله هو الحصن فإن الثقة بالله هي الحصن الذي لا يمكن اختراقه.
إن التوكل على الله لا يقتصر فقط على الجانب النفسي، بل له تأثير إيجابي على الجوانب الاجتماعية والعملية في حياة الفرد، فعندما يعيش الشخص بروح من التوكل على الله، يصبح أكثر قدرة على التعامل مع التحديات والصعوبات بثقة وصبر، مما يوفر له القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة في الظروف الصعبة، بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتوكل أن يقوي العلاقة بين الإنسان وربه ويعزز الشعور بالارتباط الروحي، وقد يمنح الإنسان القوة والصبر لمواجهة الصعوبات بكل ثقة ويقين بأن الله سيكون معه وسيوفر له الدعم اللازم كما جاء في قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ).
من خلال حياته القصيرة، قام الإمام الجواد (عليه السلام) بتقديم العديد من الدروس القيمة التي تعلمنا كيفية الثقة بالله والتوكل عليه، واستطاع الإمام الجواد عليه السلام أن يكون مثالا حيًّا في التوكل على الله رغم المحن والصعوبات التي مرَّ بها خلال حياته، فكان يحث الناس على معرفة الله والإيمان به والتوكل عليه فكانت دروسه تحمل الكثير من العلم والمعرفة التي تنير الطريق للمؤمنين وغيرهم، ففي حديث الإمام الجواد عليه السلام: (وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الْأُمُورَ) يبين لنا أهمية التوكل على الله ولكن قبل هذا يرشدنا الى عدة أمور منها:
المعرفة
يبين لنا الإمام الجواد (عليه السلام) أن معرفة الله هي من أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان، وهي من شروط العبادة الحقيقية كما جاء عن آبائه وأجداده الكرام، فروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكرُهُ ما خَلَقَ العِبادَ إلّا لِيَعرِفوهُ)، فمن هنا نجد أن العبادة دون معرفة قد تكون مجرد روتين يتبعه الإنسان دون أن يدرك الهدف الحقيقي منه، لذا يجب أن تكون المعرفة بالله وبمفاهيم الإيمان والتوحيد هي القاعدة التي ينبغي للإنسان أن يبني عليها عبادته، وإذا لم تقترن العبادة بالمعرفة، فقد يخرج الإنسان عن سبل الصواب ويجد نفسه ضالا في دينه، فمن الضروري أن يسعى الإنسان للتعرف إلى الله من خلال دراسة القرآن والسنة النبوية واحاديث اهل البيت عليهم السلام، لكي يصبح قادرا على مواجهة التحديات بثقة وصبر، ويجد السكينة الداخلية في ظل الاعتماد على قوة الله، ومع توجيهات الإمام الجواد عليه السلام، يمكن للإنسان أن ينمي عبادته بمعرفة تامة وصحيحة دون أية إشكالات او شبهات تؤثر عليها.
حسن الظن بالله
إن البلايا والمحن في هذه الدنيا ليست إلا اختبارات لقوة إيمان المؤمن وصبره، فلا ينبغي له أن ييأس من رَوح الله ابدا، ولو اطلعنا على حياة الإمام الجواد عليه السلام وتعاليمه لوجدناه من الداعين لحسن الظن بالله في كل الظروف، فكان يحث المؤمنين على الثقة بالله والتوكل عليه، وان لا يفقدوا الامل في الله ابدا مهما كانت الظروف، بل يجب أن تكون لديهم الثقة الكاملة في الله ورحمته، وان يتذكروا أن الله عز وجل معهم في كل الأوقات والمحن (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ))، فكان الإمام الجواد عليه السلام يشجع المؤمنين على الثبات وعدم الانحناء أمام الصعاب، ويبين لهم ان الله عند ظن عبده إنْ خيرا فخير، وإن شرا فشر وذلك لقوله عز وجل: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ).
الرضا بقضاء اللّه وقدره
إضافة إلى معرفة الله وحسن الظن به أوصى الإمام الجواد عليه السلام بالاستسلام لإرادة الله عز وجل والرضا بقضائه، وأن كل ما يحدث للإنسان هو بمشيئته، روي عن آبائه عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ، إِنِّي إِنَّمَا أَبْتَلِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَ أَزْوِي عَنْهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَ أُعْطِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ حَالُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ، فَلْيَرْضَ بِقَضَائِي، وَ لْيَشْكُرْ نَعْمَائِي، وَ لْيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي، أَكْتُبْهُ فِي الصِّدِّيقِينَ إِذَا عَمِلَ بِرِضَايَ، وَأَطَاعَ لِأَمْرِي).
الدعاء والطلب من الله
يرشدنا الإمام الجواد عليه السلام أن ندعو لله بصدق وإخلاص، وأن نثق بأن الله سيستجيب لدعائنا بالطريقة التي يرى فيها مصلحتنا، وأن نركز في دعائنا على طلب الهداية والتوفيق في كل الأمور، وأن نطلب من الله قبول الدعاء وتعجيل الإجابة فروي في مناجاته بطلب الحاجة ما نصه: (جَديرٌ اللَّهُمَّ مَنْ أمَرْتَهُ بِالدُّعَاءِ أنْ يَدْعُوكَ، وَمَنْ وَعَدْتَهُ بِالاسْتِجابَةِ أَنْ يَرْجُوكَ، وَلِيَ اللَّهُمَّ حاجَةٌ قَدْ عَجَزَتْ عَنْها حِيلتي، وَكَلَتْ عَنْها طَاقَتي، وَضَعُفَتْ فِي مَرامِهَا قُدْرَتِي، وَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِيَ الأمَّارَةُ بِالسُّوءِ، وَعَدُوِّيَ الغَرُورُ الَّذي أَنَا بِهِ مَبْلُوٌّ، أنْ أرْغَبَ فِيها إلَى ضَعيفٍ مِثْلِي، وَمَنْ هُوَ فِي التَّوَكُّلِ شِكْلِي، حَتَّى تَدَارَكَتْني رَحْمَتُكَ، وَنادَتْني بِالتَّوفِيقِ رَأفَتُكَ، وَرَدَدْتُ عَلَيَّ عَقْلِي بِتَطَوُّلِكَ وَألْهَمْتَنِي رُشدِي بِتَفَضُّلِكَ، فَأَحْيَيْتُ بِالرَّجَاءِ لَكَ قَلْبِي، وَأَزَلْتَ خُدْعَةَ عَدُوِّي عَنْ لُبِّي، وَوَضَحْتَ فِي التْأمِيلِ فِكْرِي، وَشَرَحْتَ بِالرَّجاءِ لِاسْتِماعِكَ صَدْرِي، وَصَيَّرْتَ لِيَ الْفَوْزَ بِبُلُوغِ مَا رَجَوْتُ، وَالوُصُولِ إِلَى مَا أَمَّلْتُ، وَوَقَفْتُ اللَّهُمَّ بَينَ يَدَيكَ سائِلًا لَكَ ضَارِعاً إِلَيْكَ، واثِقاً بِكَ مُتَوَكِّلًا عَلَيْكَ فِي قَضاءِ حَاجَتِي، وَتَحقيقِ أمنِيَّتي، وَتَصديقِ رَغْبَتي، فَأَعِذْنِي اللَّهُمَّ بِكَرَمِكَ مِنَ الخَيبَةِ وَالقُنُوطِ وَالرَّيبَةِ، وَالتَّثَبُّطِ بِهَنِيءِ إجابَتِكَ وَسانِحِ مَوهِبَتِكَ إنَّكَ وَلِيٌّ بِالمَنَائِحِ الجَزيلَةِ مَلِيٌّ، وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ).



