الوسطية في الإسلام بين التشديد والانحلال

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي..
المداراة وحفظ اللحمة المجتمعية قد نادت بها جميع الأديان السماوية، ولا شكَّ أنَّ الإسلام يتميز عن سائر الشرائع والمعتقدات بالوسطية والاعتدال، بل إن منهجه قائمٌ على هذه الصفة في كل مجالاته، والوسطية شعاره منذ أن أرسل الله الرسل بدين الحق، من لدن نوح -عليه السلام- إلى سيد المرسلين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله – وان المسلمين الحق هم الأمة الوسط.
والوسطية عند المسلمين هي الصراط المستقيم، وكذا هي الهداية والخيرية بلا شك، وقد عبر الله -سبحانه- عن ذلك بقوله: «وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا»، وقوله: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». ومن فضائل الإسلام أنه يدعو إلى الاقتصاد والاعتدال في التكاليف والأحكام، وذلك في نصوص شرعية صحيحة، لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، قال تعالى: “يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” وقال تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا».
الوسطية هي العدل والخيار، وهي أفضل الأمور وأنفعها للناس، كما تعرّف على أنّها الاعتدال في كلّ أمور الحياة ومنهاجها، ومواقفها، وتصرفاتها، فالوسطية ليست مجرد موقف بين التشديد والانحلال بل تعتبر موقفاً سلوكياً وأخلاقياً ومنهجاً فكرياً.
مفهوم الوسطية والاعتدال في الإسلام
تُطلق الوسطية في اللغة على ما يكون وسطاً بين الشيئين، وعادلاً بين طرفيه، ثمّ منه جاء وصف الله تعالى لأمّة محمد -صلّى الله عليه وآله – في قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)،[ سورة البقرة، آية:143] وهو ما ميّز به -سبحانه وتعالى- أمّة محمد عن غيرها من الأمم، ودائماً ما يُطلق وصف الوسط على أخير الأمور وأحسنها، وهو ما يتفق مع الفطرة السليمة التي خلق الله الإنسان عليها. وإنّ الإنسان بطبعه الفتور والملل، ثمّ النشاط والهمّة العالية، وهو حالةٌ متقلِّبةٌ بين هذا وذاك، فجاء الإسلام بوسطيته بما يتناسب مع هذه الطبيعة، فجعل الوسط بين كل هذا هو أحسن الخيارات، ثمّ جعل أهل السنة من أهل الوسط وميّزهم عن غيرهم من الفرق، فقال فيهم رسول الله -صلّى الله عليه وآله-: (لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي علَى الحقِّ ظاهرينَ).
الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة
وردت العديد من الأدلة والنصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتي تدلّ على وسطية الإسلام ووسطية أمّة سيدنا محمد، منها ما يأتي، قال تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، فقد وصف الله تعالى أهل الصراط المستقيم بأنّهم غير المغضوب عليهم؛ أي المغالين في الدين، وغير الضالين؛ أي الذين يغالون في التعبد والرهبانية، فالإسلام وسطٌ بلا إفراطٍ ولا تفريطٍ. روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله -صلّى الله عليه وآله- فقال: (خطَّ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآله خطًّا ثم قال: هذا سبيلُ اللهِ ثم خطَّ خطوطًا عن يمينِهِ وعن شمالِهِ ثم قال: هذه سُبُلٌ قال يزيدٌ: متفرِّقَةٌ على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليهِ ثم قرأ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).
وتعد الوسطية في كل الأمور من أهم مزايا المنهج الإسلامي، والأمة الإسلامية هي الأمة الوسط، بمعنى استغلال جميع طاقاتها وجهودها في البناء والعمران، المادي، والتربوي، والعلمي، والثقافي، من غير إفراط ولا تفريط، فهي تحقق التوازن بين الفرد والجماعة، وبين الدين والدنيا، وبين العقل والقوة، وبين المثالية والواقعية، وبين الروحانية والمادية، وغيرها.
رسول الله القدوة في الاعتدال
وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وآله- القدوة في الاعتدال؛ حين طبَّق ذلك ليرى صحابته فعله ويقتدوا به، فهذا الحديث يبين أن النبي -صلى الله عليه وآله – ترك الصيام في السفر؛ ليقدم القدوة لأصحابه، الذين شق عليهم الصيام، فأفطر ليفطروا، وسمّى المخالفين له في إفطاره: عصاة؛ لأن الغلو في مثل هذه الأمور يؤدي إلى المعصية.
ولم يكن -صلى الله عليه وآله – يقبل من أصحابه أي نوع من الغلو والتطرف والغلظة في المعاملة، حيث وردت في سيرته مواقف عدة تبين هذا، ومنها الموقف مع ذلك الرجل الذي بال في المسجد فثار عليه الصحابة، وكادوا يوقعون به! فنهاهم النبي -صلى الله عليه وآله- عن زجره، وقال: دعوه! وأهرقوا على بوله ذَنوبًا من ماء –أو: سَجْلاً- فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”.
شروط الوسطية والاعتدال
1- التوسط والاعتدال يكون بالاستقامة على طاعة الله والخضوع لأوامره ونواهيه، والبعد عن معاصيه باطناً وظاهراً دون الغلوّ ولا التقصير ولا الإفراط ولا التفريط.
2- التوسّط والاعتدال يكون بلزوم الصراط المستقيم، فالدين الوسط هو الصراط المستقيم الذي لا انحراف فيه ولا اعوجاج، ولا يتردد فيه سالكه ولا يتحيّر، ولا يضل.
ثم إن المنهج الذي جاء به القرآن الكريم إلى الحياة البشرية قائم على الاعتدال، في كل ما دعا إليه وأمر به وحث عليه، وهو الحكم العدل؛ الذي إن تمسك به الناس سلموا وسعدوا ونجوا في الدنيا والآخرة، ولذا نجد للوسطية أثراً في كل حكم من أحكامه، وفي كل آية من آياته، ونلمس معانيها في مواضع لا تكاد تُحصى؛ لكثرتها، وتنوعها، وتكررها في المضامين المختلفة، من أوامرَ ونواهٍ، ومواعظ وزواجر، وأحكام وأخبار، ودعاء وطلب، وفقه وقصص، وتذكير وبيان.
وإنها لوسطية ناصعةٌ تشرق مع كل حرف في قوله تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
وإنها لدعوةٌ إلى الاعتدال ونبذ الغلو والتطرف في مواجهة الآخرين، حتى يتم تبليغ الرسالة على خير وجه، فتؤتي أكلها، دون إثارة أحقاد، وبعث ضغائن؛ تمحو جهد الداعية، وتؤدي إلى ردة فعل غير مرغوبة.
فالذين أصبحت القيم المادية عندهم محور الحياة حوَّلوا الإنسان إلى آلة تتحرك، وقدَّسوا المحسوسات، وغرقوا في الشهوات، ولم يروا غير المنافع الدنيوية العاجلة، وهذا منهج النفعية المادية، الذي تمثل في المادية الماركسية، أو الرأسمالية المادية، والذين رأوا الجسد سجناً للروح ابتدعوا رهبانية قاسية حرمت النفس من ملذات الحياة، وعزلتها عن الحياة، وكبتت غرائزها، كما قال تعالى: «وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ».
وجاء الإسلام ليصحح المسألة، ويهدي الناس إلى أقوم السبل، وأعدل الطرق، الطريق الوسط؛ بين عبادة المادة ونسيان حق الروح، وبين إرهاق الروح ونسيان حق البدن، ليعطي كل ذي حق حقه، وفقاً لقوله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا».



