الإمام الهادي عليه السلاموخطط التمهيد للإمام المهدي”عج”

مارس الإمام الهادي (عليه السلام) مهامّه القيادية في حكم المعتصم سنة (220هـ) واستشهد في حكم المعتزّ سنة (254هـ) وخلال هذه السنوات الأربع والثلاثين قد عاصر ستّة من ملوك بني العباس الذين لم يتمتّعوا بلذّة الحكم والخلافة كما تمتّع آباؤهم ؛ حيث تراوحت فترة خلافة كل منهم بين ستة أشهر وخمسة إلى ثماني سنوات سوى المتوكل الذي دام حكمه خمسة عشر عاماً .
وقد انتهج المتوكل سياسة العنف تجاه العلويين وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) فضلاً عن أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم ، وتجلّى ذلك بوضوح في أمره بهدم قبر الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وما حوله من الدور ، بل أمر بحرثه وبذره وسقي موضع القبر ومنع الناس من زيارته وتوعّد بالسجن على مَن زاره.
الإمام الهادي عليه السلام وتمهيد الشيعة للتعايش مع احتجاب الإمام المهدي عجل الله فرجه:
أنّ قضية الإمام المهدي (عليه السلام) في عصر الإمام الهادي (عليه السلام) تعدّ أساسية للمسلمين بشكل عام ، ولأتباع أهل البيت (عليهم السلام) بشكل خاص ، والظروف التي كانت تحيط بالإمام الهادي (عليه السلام) كانت تزداد حراجة كلّما اقتربت أيّام ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته .
ولابد أن نبحث عن هذه القضية في محورين: الأول منهما خاص بالإمام المهدي(عليه السلام)، والثاني منهما يرتبط بأتباعه وشيعته.
أمّا المحور الأول فالإمام الهادي (عليه السلام) مسؤول عن ترتيب التمهيدات اللازمة لولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بحيث يطّلع الأعداء عليها وهم يراقبون بدقّة كل تصرّفات الإمام الهادي ونشاط ابنه الحسن العسكري (عليهما السلام) .
وتشير النصوص إلى كيفية تدخّل الإمام الهادي (عليه السلام) لاختيار زوجة صالحة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بحيث تقوم بالدور المطلوب منها في إخفاء ولادة ابنها المنتظر.
وقد تظافرت نصوص الإمام الهادي (عليه السلام) على أنّ المهدي الذي ينتظر هو حفيده وولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وأنّه الذي يولد خفية ويقول الناس عنه إنّه لم يولد بعد ، وإنّه الذي لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه .
ومن أجل تحقيق عنصر الارتباط بالإمام في مرحلة الغيبة الأولى والتي تُعرف بالصغرى عمل الإمام على ربط شيعته ببعض وكلائه بشكل خاص وجعله حلقة الوصل بعد كسب ثقة شيعته بهذا الوكيل الذي تولّى مهمّة الوكالة للإمام الهادي والعسكري والمهدي (عليهم السلام) معاً ؛ وبذلك يكون قد مهّد لسفارة أوّل سفراء الإمام المهدي (عليه السلام) من دون حدوث مضاعفات خاصة ؛ لأنّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) قد اعتادوا على الارتباط بالإمام المعصوم من خلاله .
وإليك بعض نصوص الإمام الهادي (عليه السلام) حول قضيّة الإمام المهدي (عليه السلام) :
عن الصقر بن أبي دلف قال : سمعت علي بن محمد بن علي الرضا (عليهم السلام) يقول : الإمام بعدي الحسن ابني وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً .
الكليني ، عن علي بن محمد ، عن بعض أصحابنا ، عن أيوب بن نوح ، عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) قال : إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقّعوا الفرج من تحت أقدامكم .
روى علي بن إبراهيم عن أبيه ، عن علي بن صدقة ، عن علي بن عبد الغفار قال : لمّا مات أبو جعفر الثاني كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر يسألونه عن الآخر فكتب (عليه السلام) : الأمر بي ما دمت حيّاً فإذا نزلت بي مقادير الله تبارك وتعالى أتاكم الخلف منّي ، فأنّى لكم بالخلف بعد الخلف ؟!.
وأمّا المحور الثاني فهو الإعداد النفسي وتحقيق الاستعداد الواقعي لدور غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من قِبل شيعة الإمام (عليه السلام) .
وقد حقّق الإمام هذا الاستعداد وأخرجه من عالم القوّة إلى عالم الفعلية بما خطّطه لشيعته من تعويدهم على الاحتجاب عنهم ، والارتباط بهم من خلال وكلائه ونوّابه ، وتوعيتهم على الوضع المستقبلي ؛ لئلاّ يُفاجأوا بما سيطر عليهم من ظروف جديدة لم يألفوها من ذي قبل .
وكان للإمام الهادي (عليه السلام) أسلوب خاص لطرح إمامة ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) بما يتناسب مع مهمّته المستقبلية في الحفاظ على حجّة الله ووليّه الذي سيُولد في ظرف حرج جدّاً ؛ ليتسنّى لأتباعه الانقياد للإمام من بعده والتسليم له فيما سيخبر به من وقوع الولادة وتحقّق الغيبة وتحقّق الارتباط به عبر سفيره الذي تعرّفت عليه الشيعة ووثقت به .
ولهذا تفنّن الإمام الهادي (عليه السلام) في كيفية طرح إمامة الحسن (عليه السلام) وزمن طرح ذلك وكيفيّة الإشهاد عليه.



