ثقافية

قراءة في قصيدة «شوكة في عين القمر» للشاعرة رفيف الفارس

عهعخعه

شوكة في عين القمر
ينهب الضلوع
دويٌ يمزِّقُ الشمس
يهشّم النبض
يتقاطر حمضا في اوردتي
صرخةً.. صرخة
مكتومةً بطعنة
بوعدٍ زائفٍ
يرفع حجراً عن رأس افعى
تنذر بالنار والسُّم
ترقص على مزمار غدْر
تحصد الاحلام..
ويجري دجلةُ صهدَ آهٍ في الشرايين..
دويٌّ يُسابق الريح
ينثر الاجسادَ قطعَ احاجٍ
علَّ الدموعَ تجمعُها!
ـ ـ
عصفورٌ يسقط من عنقود
تنبت في إثره شوكة
تفقأ عين القمر
قصيدة رسمت حريق التراجيديا السوداء, في صرخة الالم والانين, الذي تكسر وتحطم على الفاجعة الدموية. قصيدة مدماة بلون الدم القاني, الذي اطفأ نور الحياة والشمس, وسط الخراب الدموي, والمفجع في حطامه المرعب. حتى الشمس هرولت ذعراً الى شحوبها, وغطتها السواحب الدخان, فكيف ان نضبط هواجس الوجدان التي غمرها الفزع والرعب, ولا يمكن للمرء ان يضبط صراخ الالم والانين, وسط الرعب المتدفق في ظلمه وطغيانه المدوي, حتى الهواء اختنق بالهول المدمر, في هذا الواقع المدمر, الذي تحول الى مخالب رعب وموت وفزع , وهل يستطيع المرء ان يضبط ايقاعات رعبه الحاصل؟ فكيف بقصيدة مدماة بصراخات الدم القانية , بالعذاب المدمر, بالهوجس المرعوبة, التي سقطت في هول صرخات الانين. هذه القسوة المدماة, لا تحتمل الوصف ولوعة الكلمات, وهي تسقط في نهر الحزن والعذاب والقهر, من المشاهد المروعة, كأن الارض هربت في ثوانيها, او ان الزمن توقف, ازاء الخراب المدمر بالحرائق. فأين موقع الروح المصروعة في افرازات انينها, وهي تغرق في فيضان المأساة, لتجد نفسها محاصرة بين نارين, والحياة سدت ابوابها, إلا ابواب الرعب والموت ولصرخات الاخيرة, التي تقاوم روحها امام نار جهنم, الساقطة في الوان الدم والحرائق, هكذا ينتفض القلب صرخة ولوعة, ليجد نفسه محطماً ومقطعاً الى اجزاء, تصرخ في الانين. ما كنا نتصور بأن الروح تتحطم وتتكسر بهذه العاصفة الهوجاء دفعة واحدة, بهذا التحطم المنتحر الذي يسقط السؤال والتساؤل. هذه حروف القصيدة النازفة بالدم والقيح, وتفرزها بهذا العمق المتدفق. كفيضان الروح في لوعتها, التي لا يمكن حصر جريانها المرعب. القصيدة تحركت على هذه المسارات, لتعطي المشهد الكامل للفاجعة الدموية, في عمق التوغل, في رسم اللوحة الشعرية بريشة الوان الدم القانية, ولكنها ايضاً صرخة في وجه الرعب والقهر والغدر, صرخة في وجه الوحشية النازية, صرخة في وجه الواقع المحطم, الذي تعبث به الثعابين والافاعي السامية, صرخة في وجه رقصة مزمار الخيانة والغدر, صرخة في وجه المأساة, التي لا يمكن ان تجبر خواطر بالصبر والسلوان. لان الفاجعة وقعت، الحريق حول الاشياء الى حطب واشلاء. انها صرخة في وجه الفزع.. من اجل تسليط المزيد من الضوء الكاشف على صور القصيدة, علينا ضبط ايقاعات حروفها ومعانيها الشعرية, ضبط دلالاتها البليغة والمعبرة, من عمق مأساة التراجيديا السوداء. حقاً انها لوحة تصويرية متدرجة في تصاعد درامي, لتسليط الضوء حتى اكتمال صورة الفاجعة بالحصيلة النهائية, بهذا النضج المتعمق, الذي يكتسب من الصور الشعرية, واقعية التصوير والتعبير والانتقاد, واقعية الغضب والحزن المتفجر في الاعماق. كأن الارض هربت في ثوانيها, من هول الفاجعة. استطيع ان انعت القصيدة, بقصيدة صرخة الالم المدماة. وهذه هي صور الشعرية للقصيدة, او بالاحرى خطوات سيناريو الرعب التسجيلي للقصيدة.
1 – الصورة الاولى: الصرخة
يمزق دوي مرعب حتى اهتزت الشمس هلعاً وهرب في شحوب الحزن المرعب, بأنها تعلن وقوع ساعة الفاجعة والنكبة الدموية, وبتصاعد اغبرتها ودخانها المسموم, وغرزت طعناتها في احشاء القلب, وجعلته صريع كوة الصاعقة المدمرة, بأن تجعل القلب يفلت يهرب الى الصراخ والانين, بطعنات مكتومة.
ينهب الضلوع
دويٌ يمزِّقُ الشمس
يهشّم النبض
يتقاطر حمضا في اوردتي
صرخةً.. صرخة
مكتومةً بطعنة
2- الصورة الثانية: تكامل صورة الرعب
هذا التكامل, التي تفجر في هول الرعب, حتى جاء بهذا الانفجار المدوي, لانه تكاملت خيوطه المرسومة بجنون الوحشية, وبتطريز صورته المخططة له, في خيوط الغدر والخيانة, بشبح الغدر, الذي يراقص الافعى المسومة, على هشيم النار والسم, ليرقص على مزمار الهلاك والدمار, انه الغدر الذي خاطت ثوبه شياطين الشر, لتقتل الحياة والاحلام.
يرفع حجرا عن رأس افعى
تنذر بالنار والسُّم
ترقص على مزمار غدْر
3- الصورة الثالثة: رد الفعل المؤلم على الانين
تكاملت في حصيلتها النهائية خيوط التراجيديا السوداء, بأن جعلت دجلة يئن وينتحب, حتى فاضت دموعه, بصرخات الالم والانين, جعله ينتفض على جريانه, بفظاعة الاجساد التي تحولت الى اشلاء محترقة, الى دخان يسد الافق.
ويجري دجلةُ صهدَ آهٍ في الشرايين..
دويٌّ يُسابق الريح
ينثر الاجسادَ قطعَ احاجٍ
علَّ الدموعَ تجمعُها!
4 – الصورة الرابعة: تكامل الكارثة وافرازاتها النهائية
خيوط نهاية المأساة, تدخلنا في عالم السريالية المرعبة في ظلامها الدامس, بان تكون فوق طاقة العقل والمنطق, في صورة مأساة الفاجعة السريالية, بأن عصفور يفقأ عين القمر, في احتجاجها الصارخ والمدوي في وجه الظلام.اقول بصراحة. قرأت عشرات القصائد, التي صورت شعرياً فاجعة الموت, في التفجير الدموي في الكرادة, ولكن لم اجد الصور الشعرية بهذا العمق المتوغل في المشاعر المتدفقة. بحيث يجد صعوبة على المرء ضبط ايقاعاتها الصارخة بالالم والانين, لم اجد بهذا الحريق الشعري المتفجر في بركانه, وبهذه الصور الشعرية الناطقة. برغم ان بعض القصائد كانت بمستوى الحدث الاجرامي المرعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى