دور الأمن المجتمعي في التنمية عند الإمام علي (ع)

يمكننا استكشاف أهم مبادئ ومنطلقات ومقوّمات وغايات التنمية من مجمل كلمات الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر، وذلك ضمن الإحدى والثلاثين مادةً.
توفير الأمن في البلاد
(توفير الأمن) الاجتماعي والشخصي، أما على مستوى الحكومات فيقول (عليه السلام): (فَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ أَعْيُنِ الْوُلَاةِ اسْتَفَاضَةُ الْأَمْنِ فِي الْبِلَادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الْأَجْنَادِ) والرائع تعبيره (عليه السلام) بـ(اسْتَفَاضَةُ الْأَمْنِ) الذي يعني أن المطلوب ليس تحقيق الأمن فقط، بل أن يزداد حتى يفيض على كل شخص وكل شيء! وقد صرح علماء اللغة بـ: (فاض الخير إذا شاع وكثر) و(فاض السيل يفيض فيضاً إذا كثر وسال من شفا الوادي) و(استفاض الحديث شاع في الناس وانتشر) (واستفاضة الأمن) يرمز إلى استتبابه واستحكامه وعمومه وشموله لكل مسلم وكافر وبرّ وفاجر، في كل الحالات والأزمنة.
وغير خفي أن استفاضة الأمن في البلاد شرط أساسي في التنمية الاقتصادية والبيئية والبشرية، على حد سواء، واستفاضة الأمن هو المعبّر عنه في المصطلح الاقتصادي بتوفير المناخ الآمن، بل استفاضة الأمن أعمق معنى وأغزر دلالةً.
وأمَّا على مستوى الأفراد فإننا نجده (عليه السلام) يقول: (مَنْ آمَنَ خائفاً مِنْ مَخوفَةٍ، آمَنَهُ اللّهُ سُبْحانَهُ مِنْ عِقابِهِ) و(مَخوفَةٍ) أي ما يخاف منه الإنسان، وما يخاف منه الناس قد يكون حاكماً جائراً، وقد يكون عدواً ظالماً، وقد يكون سيلاً جارفاً، وقد يكون وباءً قاتلاً، وقد يكون تضخماً جامحاً، وقد يكون بطالة أو فقراً أو دَيناً أو غير ذلك.
وقوله (عليه السلام): (خائفاً) وإن كان نكرة في سياق الإثبات، إلا أنه كالنكرة في سياق النفي، يفيد العموم حسبما اختاره بعض الأصوليين على أن مناسبات الحكم والموضوع تقتضي ذلك، كما يؤيده الاعتبار حتى إن لم نقل بتلك المقالة.
وعن الأمن الشخصي والمجتمعي يقول (عليه السلام): (رَفاهِيَّةُ العَيشِ فِى الأمنِ) وهي جملة خبرية لكنها ملزومة أو لازمة أو ملازمة لجملة إنشائية، بمعنى الدعوة والحض على توفير الأمن لضمان رفاهية العيش، وبعبارة أخرى قوله (عليه السلام): (رَفاهِيَّةُ العَيشِ فِى الأمنِ) يفيد بدلالة الإشارة، مطلوبية ذلك ومحبوبيته والأمر به.
ويقول (عليه السلام): (شَرُّ البِلادِ بَلَدٌ لا أمنَ فيهِ ولا خِصبَ) وبهذه الرواية ونظائرها يرسم (عليه السلام) لنا، مؤشراً من مؤشرات (التنمية) والذي يمكن أن يقاس به مدى تقدم البلد على مستوى التنمية، كما يمنحنا مقياسين نقيس بهما أداء الحكومات ونجاحها أو فشلها.
إحقاق الحقوق وحفظ الحرمات
إحقاق الحقوق الاقتصادية وحفظ حرمات الشخصيات الاعتبارية الـمُنتِجة، كطريق للتنمية الاقتصادية المستدامة، إذ يقول (عليه السلام) مثلاً عن التجار والصناعيين: (فَاحْفَظْ حُرْمَتَهُمْ، وَآمِنْ سُبُلَهُمْ، وَخُذْ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا يُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَصُلْحٌ لَا تُحْذَرُ غَائِلَتُهُ، أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِمْ أَجْمَعُهَا لِلْأَمْنِ وَأَجْمَعُهَا لِلسُّلْطَانِ، فَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلَادِكَ).
وقال (عليه السلام): (مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ)(83)، و(الحق) الذي يقابله (الحكم) كما يقابل (الملك) هو من مصاديق (الحق) الذي يقابل الباطل، فليس في شيء من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، كما لا وجه ظاهراً لدعوى الانصراف.
وقال (عليه السلام): (أَعْدَلُ الْخَلْقِ أَقْضَاهُمْ بِالْحَقِّ)، ويؤيد عموم هذا الحديث وسابقه للحق بالمعنى السابق، مناسبات الحكم والموضوع.
وقال (عليه السلام): (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً فَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ)، و: (جَعلَ اللّهُ سبحانَهُ حُقوقَ عِبادِهِ مُقَدِّمَةً لحُقوقِهِ [عَلَى حُقُوقِهِ]، فمَن قامَ بحُقوقِ عِبادِ اللّهِ كانَ ذلكَ مُؤَدّيا إلى القِيامِ بحُقوقِ اللّهِ).
الاهتمام بالصحة
الاهتمام بالصحة النفسية والجسمية والعقلية؛ يقول (عليه السلام): (الصِّحَّةُ بِضَاعَةٌ)، والبضاعة هي القطعة من المال والسلعة، وبذلك يكشف (عليه السلام)، ولو بالتلميح، عن الوجه الاقتصادي للصحة، فكما أن البضاعة تشترى وربما، على حسب نوعها، بأغلى الأثمان، فكذلك الصحة، بل إنه، فوق ذلك، يصرح بأن: (الصِّحَّةُ أفضَلُ النِّعَمِ)، و: (صِحّةُ الأجسامِ مِن أهنَأِ الأقسامِ)، و: (أَلَا وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ الْمَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ)، وهي إشارة إلى كلتا جنبتي الجهات الموضوعية والمعيارية.
وللصحة مديات واسعة ونطاق عريض، فإن (الصحة: حالة تمتع الفرد بكامل عافيته البدنية، والعقلية، والنفسية، والاجتماعية).



