اراء

صيدنايا.. درة الدجل الإعلامي

بقلم: زهراء الحسيني..

مع اقتحام الفصائل الإرهابية، مرافق عدة تابعة للنظام السوري -والتي كان أبرزها سجن صيدنايا- طَالعَنا السيناريو نفسه، القديم بقِدم الجنس البشري، الجديد بتغير الوسائل وتطوير الأساليب، لتواكب ما سُمي بالإعلام الجديد، بل لتستثمر خصائصه لدفع آلة الكذب والدعاية إلى مستويات غير مسبوقة.

لكن ما يستحق التوقف عنده أننا مازلنا نجِد ونحن على مشارف العام 2025 ليس شخصًا أو حالات نادرة فقط بل جماهير تنطلي عليها لعبة البروباغندا نفسَها، رغم أن النتائج الكارثية للانجرار خلفها باتت معروفة. ذاكرة السمكة هذه قد تكون ناتجة عن الزخم الهائل في المعلومات والأخبار التي تتدفق إلى الدماغ يوميًا من مصادر متعددة وبشكل لحظي بشكل يحول دون إعطاء حيّز زمني للتفكر والتدبر والتبصر وإعادة تحفيظ الأحداث بكفاءة مع العبر المستخلصة.

إحدى أخطر أدوات الدعاية وأنجعها أثرًا وأكثرها جذبًا لجمهور هائج منفعل (أي يبحث بنهَم عن قصص توافق هواه) هي صناعة الالتباس، خصوصًا عند الانطلاق من أرضية حقيقية تتمثل بحدث حقيقي فعلي أو “جسمٍ لبيس” حقيقي قام بسلوكيات وممارسات قريبة مما سيتم نسبته إليه. فيتم البناء على الحدث الواقعي واستثماره لاختلاق رواية كاذبة ملتبسة حوله، لخدمة أهداف عدة منها التحريض وزيادة الاحتقان وتأجيج الفتن وإثارة البلبلة والتشويه والتشويش والإلهاء أيضًا.

على سبيل المثال لا الحصر، تشكل البروباغندا التي أثيرت حول سجن صيدنايا، أنموذجًا صارخًا.. حيث خرجت منصات وحسابات قنوات عربية وأجنبية وحسابات مؤثرين، لتستغل ما هو معروف وشائع عن ظروف صعبة في السجون في سوريا، لتختلق روايات مبالغة وتتفاعل معها إلى حد تحوّلت معه هذه المبالغة إلى مادة للسخرية كمقاطع وصور تم ترويجها على أنها لمساجين من صيدنايا، ليتبين أنها صور تعود لمتخلفين عقليًا، تم استحضارها من حسابات متنوعة على وسائل التواصل، إضافة إلى رواية المكبس البشري التي ساح فيها وناح عليها كثيرون وداخ المتابعون تقززًا من فظاعتها (كان على متصفح منصات التواصل أن يتناول حبوبًا مضادة للغثيان في الأيام القليلة الماضية) ليتبين بحسب روايات شهود من داخل السجن، أن المكبس -محور الرواية- يستخدم في أعمال النجارة الخاصة بالسجن.

لِبروباغندا الالتباس هذه نتائج سلبية متعددة أبرزها ضياع ما هو حقيقي في زحمة الروايات المختلقة وعلى رأي المثل القائل “يذهب الصالح بالطالح”، هذا من جهة وقد تناول رواد وسائل التواصل هذا الأمر بطرق شتى، فطالب بعضهم بتناول التجاوزات الفعلية عوضًا عن المبالغة الهوليودية لإظهار نظام الأسد كأنه استثناء في واحة غناء من الديمقراطية سواءٌ عربيًا أو عالميًا، خصوصًا وأن السينما الأمريكية نفسها لم تستطع إغفال الواقع المزري للسجون التابعة للولايات المتحدة على سبيل المثال، والتي يتصدر اليوم هاشتاغ باسمها (#جرائم- السجون- الصهيوأمريكية) على منصة X ربما للحفاظ على بقايا ذاكرة حية مقابل محاولات تغطية عارها بشماعة سجن صيدنايا.

ومن جهة أخرى ينتج ما هو أخطر، إلهاء الجمهور بالبروباغندا على حساب القضايا والأحداث الجوهرية. وفي حالة صيدنايا إلهاء الجمهور ببروباغندا حول نظام سابق على حساب الانتباه لارتكابات العدو الصهيوني في الحاضر. الذي تقدم ليصل إلى مقربة من العاصمة دمشق. ويدمر القدرات النوعية ويحتل ويهجر السوريين ويحتفل بإنجازات لم يحققها منذ عام 1973. لا يُعقل أن يجتر المرء أيامًا رواية غير موثّقة عن اغتصاب سجينة، فيما سوريا تغتصب كلها مراتٍ كل يوم وعلى الهواء مباشرة من قبل العدو الأخطر والأول العدو الصهيوني.

إضافة إلى ما سبق تُشكل موجة الدجل الأخيرة، نموذجًا عن أحد أساليب صناعة الالتباس الرئيسة وهي الانتقائية.

بالنسبة لصُناعها وأدواتها ثمة وحشية بسمنة ووحشية بزيت، تُكال الأوصاف الشنيعة لنظام الأسد وتحاك أساطير الإجرام المرعبة حوله، فيما يتم التغاضي عن جثث الأطفال التي صارت مشهدًا يوميًا عاديًا في غزة. تُحكى أساطير التجويع عن سجون الأسد فيما لا نجد هذه الحمية لرؤية جثث الآباء والشيوخ والأطفال فوق أكياس الطحين في غزة.

بعد كل ما مر على هذه الأمة خصوصًا في السنوات الأخيرة، فإن مفتاح التغيير نحو الأفضل يبدأ من النفوس حين تتوقف عن الانجرار الأعمى وراء منشور هنا ومقطع فيديو هناك، وتفتح بصيرتها للتحقق قبل الاستعجال في ردود الأفعال، ولتحفظ الأحداث-لا سيما أدوات الدجل الإعلامي- في ذاكرة الأفيال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى