اراء

سقوط الأسد.. الكيان الغاصب على حدود العراق

بقلم: ا. د. عبد الحسين العنبكي..

الأعراب الذين يؤمنون بان (اسرائيل) لا تقهر، وانها عصية على الهزيمة، وان انتصارها حتمي، كانت تتبنى السردية الصهيونية طوال الحرب منذ 7 اكتوبر 2023، وكانت تنتشي لكل ضربات الكيان المؤثرة في لبنان، بحجة انها تقضي على الشيعة، وتنتشي الضربات على غزة، بحجة ان حماس من أذناب ايران، وعندما صمدت غزة ولبنان رغم الدمار وبقيتا متمسكين بالثوابت وبالكرامة، وهيهات ان تنجرفا الى الذلة، تصاغر الكيان الغاصب واضطر الى التفاوض بنديه مع لبنان الدولة ولبنان الصمود، وظهر نتن الكيان في بيان قبول وقف اطلاق النار وكأنما يتجرع السم الزعاف، فرغم الدمار الذي تركه في غزة ولبنان، ورغم استشهاد سيد المقاومة وسيد العرب حسن نصر الله، إلا ان النتن لم يشفِ غليله المتعطش للدماء والوحشية وفلتت من لسانه الوسخ عبارات تهديد للرئيس السوري بشار الأسد، متوعدا بالويل والثبور، وهنا لا بد من التوقف عند المحاور الاتية :

اولا: أي حاكم من ابناء الأقلية ينتابه شعور مستدام بان الأكثرية المحيطة به الغارق فيها لا تجانسه في كثير من المفردات، فأما ان يحاول الانسجام معها والانصياع للأكثرية فتخرجه من السلطة بأدوات السياسة والانتخاب العددي وينتهي به المطاف خارج السلطة، أو انه يتشبث ويغاير الأكثرية، وهذا هو ذاته حال الطاغية صدام حينما انبثق من الاقلية السنية في العراق لحكم بلد أغلبيته شيعية، وكما استقر العراق سياسيا وصار من المسلمات ان يتم تداول السلطة سلميا، ولا يوجد حاكم متجبر يقتل الناس على الشبهة وهنالك احترام للأوزان النسبية للأقليات، فان سوريا سوف تستقر ايضا بحكم الأكثرية، إلا انه استقرار سلبي.

ثانيا: لا يختلف اثنان على ان الأسد كان أحد أركان محور الممانعة والمقاومة وان كان غير فاعل عسكريا إلا انه الجار العربي الوحيد للكيان الذي لم يقاتل كما لبنان ولم يطبع كما مصر والاردن، ووجوده ضمن هذا المحور جر عليه الويل والثبور وحصار قيصر والفقر وتدمير البنى التحتية وشموله بالربيع العربي الذي انجب خنوعا عربيا وكان بإمكان الأسد لو قبل التطبيع، ان يستقر تماما وربما يغير دستوره، ليصبح ملكاً كما المملكات المطبعة ولظهرت في بلاده سوريا الجميلة الجذابة للأبراج والاستثمارات والفنون والسياحة ومؤسسات الترفيه والرفاهية، نعم الاسد لم يقاتل حتى في أرض سوريا المحتلة (الجولان) لكنه كان ظهيرا للمقاومين يوفر لهم كل ما يمكن من الامور اللوجستية وهذا يعني انه فسح المجال وفتح أبواب الشام لكل من يرغب بمقاومة الكيان الغاصب، فكانت إيران الجمهورية الاسلامية التي ترفع شعار نصرة المظلومين وازالة اسرائيل وتحرير فلسطين من البحر الى النهر، توفر له مقومات البقاء ويوفر لها لوجستيات المقاومة، الأمر الذي أغضب الأعراب الطائفيين، وحول عداءهم من اسرائيل الى ايران.

ثالثا: استلم الثوار المتشددون أوامر نتنياهو بمعاقبة الأسد وتحولوا من أوراق مؤامرة خاملة الى أوراق فاعلة ويبدو ان زيلنسكي اليهودي والنصير الاكبر للكيان الغاصب كان يجهزهم بالطائرات المسيرة والأسلحة والبدلات الأنيقة وكان السلطان العثماني الجديد يخفف من خطاباتهم الاسلامية المتطرفة الى خطابات أكثر مدنية وتعايشا واستيعاب الاختلافات والطوائف حتى ظهروا لنا من قمقم أدلب بإيقاع جديد يطرب مسامع المتلقين، وتبدو ان الترتيبات لم تقف عند هذا الحد وانما كانت رئاسة الوزراء السورية ووزارة الدفاع في حكومة الاسد ضمن أجواء الاتفاق (المؤامرة) بدليل ان وزارة الدفاع السورية تحولت الى وزارة الانسحابات السورية، من مدينة لأخرى بحجة اعادة الانتشار حتى وصلوا الى دمشق، ليتولى رئيس الوزراء اعادة الانتشار واعادة التدوير معلنا انه ينتظر الثوار في قصره ليسلمهم مفاتيح الحكم، خلع العسكر ملابسهم وتركوا أسلحتهم أرضا وارتدوا الملابس المدنية كما حصل مع الجيش العراقي وسيحصل مع أي دكتاتور يسقط لان أتباعه لا تربطهم به رابطة سوى الخوف وعندما ينتهي الخوف تنتهي معه الروابط.

رابعا: تعود العرب للأسف على الانتكاسات منذ 75 سنة، منذ غرس الكيان الصهيوني والى يومنا هذا، وحتى لو اعترف الكيان بالهزيمة يقولون له كلا انك منتصر ونحن المهزومون وكل انتكاسة يتوسع الكيان ويشتد عوده، ويضعف العرب، ويزداد القنوط من امكانية الانتصار، وعندما انتصر حزب الله في 1982 في اخراج المحتل من لبنان وفي 2006، وعندما هزم الاحتلال من تحقيق أهدافه التي أفصح عنها نتنياهو عندما عرض خرائط شرق أوسط جديد، مقسماً على أساس دول الشر المقاومة له، ودول الخير المطبعة معه، صار لزاما على العرب المطبعين وداعميهم الامريكان والغرب ايجاد انتصار للكيان وخلق انتكاسة للعرب، فكانت الاستجابة من الفصائل المسلحة التي ظاهرها ثورة المظلومين على الطاغية وباطنها تنفيذ أجندة الكيان الصهيوني بكسر أحد أركان محور المقاومة واستباحة سوريا وطرد نفوذ المقاومين منها، ولم ينتظر نتنياهو طويلا حتى أعلن عن تقدم قواته باتجاه الأراضي السورية واحتلال جبل الشيخ وقد تحدث رئيس اركان العدو بانه الان يقاتل على أربع جهات أي غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وبذلك يكون النتن قد حقق توسيع (اسرائيل) بما لم يتمكن من تحقيقه على حساب غزة ولبنان صار يحققه على حساب سوريا، وشرع جيشه الغاشم بشن الهجمات الجوية بأكثر من 400 غارة على ثكنات الجيش السوري الخالية من الجند، ليدمر البنى التحتية للجيش والمعسكرات والمطارات وتدمير أكثر من 500 طائرة مقاتلة وتدمير 2720 دبابة من سفن وغواصات، ودمر أيضا مراكز البحوث والتصنيع العسكري، حتى جعل سوريا شعباً بلا جيش في ظل صمت عربي وعالمي، واحتفالات شعب مسكين يجد نفسه تحت رحمة محتل غاصب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى