مبادئ التنمية ومقوماتها في نصوص الإمام (ع)

يمكننا استكشاف أهم مبادئ ومنطلقات ومقوّمات وغايات التنمية من مجمل كلمات الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر، وذلك ضمن بعض البنود التالية:-
رضا الخالق
1 ـ تحرّي المسؤولين على مستوى الاقتصاد الكلي، والتجار والمستثمرين ومختلف أطراف العملية الإنتاجية والتبادلية والتوزيعية والاستهلاكية على مستوى الاقتصاد الجزئي، لرضا الله تعالى، وهو مبدأ المبادئ وغاية الغايات، كما أنه المنطلق أيضاً، إذ يقول (عليه السلام): (“تَحَرَّ رِضا اللّهِ، وَتَجَنَّبْ سَخَطَهُ”، وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ، وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ “فَإِنَّهُ لا مَلجَأَ لَكَ مِنْهُ إلّا إلَيهِ).
وتحرّي رضا الله تعالى، يشكّل أهم أساس ومبدأ ومنطلق للتنمية البشرية والاقتصادية والبيئة والمستدامة، كما ويشكّل أهم مقوم من مقوماتها أيضاً، لأنه يوجِد الوازع والحافز الداخلي الذي يدفع الإنسان نحو الوفاء بالوعود، والالتزام بالإتقان والجودة، والامتناع عن الغش والتدليس والسرقة والغصب والاحتكار والاستئثار وشتى ألوان الاقتصاد الأسود، كما يحجزه تحري رضا الله تعالى عن الإضرار بالبيئة والطبيعة والحيوان والإنسان، وحتى الإضرار بنفسه وبثرواته وممتلكاته بدءاً من الإسراف وصولاً إلى الانتحار.
إضافة إلى ذلك، فإن رضا الله تعالى يكون، في جملة أهم ما يكون، في النفع لعباد الله فقد ورد في الحديث: (خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا مِنَ الْبِرِّ شَيْءٌ، الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالنَّفْعُ لِعِبَادِ اللَّهِ)، وقال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ)، وقال (عليه السلام): (وَخَيْرُ النَّاسِ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ).
الرحمة والمحبة والإحسان
2 ـ المحبة للناس، وهي منطلق. قال (عليه السلام): (وَلَا يَسْلَمُ لَكَ قَلْبُكَ حَتَّى تُحِبَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ)، و(من أَرَادَ أَن ينصف النَّاس من نَفسه فليحب لَهُم مَا يحب لنَفسِهِ).
3 ـ والرحمة بهم، وهي مبدأ ومنطلق. قال (عليه السلام): (بِبَذْلِ الرَّحْمَةِ تُسْتَنْزَلُ الرَّحْمَةُ)، و(أبْلَغُ مَا تُسْتَدَرُّ بِهِ الرَّحْمَةُ أنْ تُضْمِرَ لِجَميعِ النّاسِ الرَّحْمَةَ).
4 ـ والإحسان إليهم، وهو مقوّم لعملية التنمية. قال (عليه السلام): (علَيكَ بالإحْسانِ، فإنَّهُ أفْضَلُ زِراعَةٍ، وأرْبَحُ بِضاعَةٍ).
وفي ذلك كله يقول (عليه السلام): (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، “وَالإحْسَانَ إِلَيْهِمْ وَلا تُنِلْهُمْ حَيْفاً”، وذلك بعد أن حدد مسؤولية مالك الأشتر كحاكم لمصر في (اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا).
وإذا اعتبر المسؤولون الرحمة هي الأصل الأصيل والقاعدة العامة وانطلقوا من منطلق محبة الناس جميعاً، واتخذوا اللطف بهم والإحسان إليهم منهجاً، سار قطار التنمية البشرية والاقتصادية والمستدامة والشاملة بشكل سليم، في أُولى خطواته، ثم بنحو متسارع طوال مسيرته. ثم إن هذه الأربعة كبعض لواحقها، تندرج إما في مقاصد الشريعة، أو في مقاصد المقاصد.
5 ـ العدل، وهو مبدأ من أهم المبادئ والمنطلقات والمقومات، فيجب طوال المسيرة التنموية اتخاذ العدل شعاراً ودثاراً، ومنهجاً وطريقاً، ويجب تجنب الظلم بشتى ألوانه وأشكاله، إذ يقول (عليه السلام): (عَلَيْكَ بِالْعَدْلِ فِي حُكْمِكَ إِذَا انْتَهَتِ الْأُمُورُ إِلَيْكَ)، و(الْعَدْلُ قِوَامُ الْبَرِيَّةِ)، و(مَا عُمِّرَتِ الْبِلَادُ بِمِثْلِ الْعَدْلِ).
ويقول (عليه السلام): (وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ).
ويقول (عليه السلام): (وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ)، و(الْعَدْلُ أَقْوَى أَسَاسٍ)، و(العدل أقوى جيش).
ويقول (عليه السلام): (فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ؛ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ، وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ، مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ المَظْلُومينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ).
6ـ اتخاذ رضا الناس، أي عامة الناس وإن لم يمكن فالأكثرية، المحور للسياسات العامة: الاقتصادية والتنموية والسياسية وغيرها، وهو مبدأ ومنطلق ومقوّم، إذ يقول: (وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ)، ويقول: (وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ… أَجْمَعُهَا “لِطَاعةِ الرَّبِّ، و” لِرِضَى الرَّعِيَّةِ؛ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ).
وهذا المبدأ يعارض منح أي امتياز أو حتى شرعية للنخبة المستأثرة أو المسيطرة، كما يلغي دور البِطانة والطبقة الارستقراطية وأنواع الكوربوقراطيات، كما يعني أن أكثرية الناس لو رجّحت السلم والصلح مثلاً فإن على الحاكم والمسؤولين الالتزام بذلك وإن كانوا يرون المصلحة في الحرب مثلاً، كما فصّلناه في كتاب آخر.
7ـ اتخاذ (المنفعة لعامة الناس) غاية وهدفاً ومنطلقاً، إذ يقول (عليه السلام): (وَاعْمَدْ لِأعَمِّ الأُمُورِ مَنْفَعَةً، وَخَيْرِهَا عَاقِبَةً)، وهذا النص يشمل بإطلاقه صورة تزاحم منفعة أكثر الناس ومصالحهم مع منفعة شريحة منهم كشريحة الصناعيين أو المزارعين، وصورة تضارب المصالح بين قطاع الزراعة مع قطاع الخدمات أو الصناعة، أو مع مصالح جماعات الضغط.
ويعضد النص السابق نصاً آخر يعتبر (الأعم في العدل)، هو المعيار إذ يقول (عليه السلام): (وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا “لِطَاعةِ الرَّبِّ، و”لِرِضَى الرَّعِيَّةِ؛ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ).
ولعل أهم ما يحقق العدل ويوفر المنفعة للناس ويكسب رضاهم أيضاً هو: توفير فرص العمل لهم؛ فإن (العمل يعد غاية ووسيلة في آن واحد، فهو غاية ترتبط بإنسانية الإنسان في الجماعة، وهو أحد مكونات الكرامة الإنسانية التي يتشرف بها المرء خلال حياته، وهو وسيلة لأنه العنصر الحاسم في منظومة عوامل الإنتاج والقادر على الاستغلال الأفضل لبقية العوامل)، مضافاً إلى ذلك (فإن للعمل أبعاداً إنسانية ومجتمعية تجعله من أهم العمليات الاجتماعية الإنسانية التي تطور المجتمع إنتاجاً وفناً وثقافة، فهو الشكل الجوهري للنشاط الإنساني والساحة المفتوحة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته إذا لم تحدها وتغلقها المحددات البنائية خصوصاً العلاقات الإنتاجية والانقسامية والتمايزية، التي أنتجت تقسيماً للعمل باعد بين العقل والفكر وفتّت وحدة العمل الإنساني وشموله الاجتماعي).
8 ـ وللمساواة أنواع وصور: أولاً: المساواة بين الناس في الحقوق الإنسانية والقانونية، من غير فرق بين جميع ألوان الناس وأنواعهم، وهي مبدأ ومنطلق ومقوّم، قال (عليه السلام): (وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأ)، والمساواة هي الأصل، إلا أن تصطدم بالعدل فيتقدم عليها، كما فصّلناه في بحث سابق.



