السيدة زينب (ع).. جبل الصبر الجميل

سيدة جليلة وعظيمة، مرت بأدوار تأريخية كبيرة وصعبة جدا، لا يمكن أن يتحمّلها إلا الشخص العظيم، وهي حفيدة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي (عليهما السلام)، وأخت الحسن والحسين (عليهما السلام)، ألا وهي السيدة الحوراء زينب (عليها السلام).
لا شك أن الإنسان الذي يعيش في بيئة كهذه، يصبح عظيما بالإضافة إلى قابلياته الخاصة، وقد تربّتْ على صفات عالية، وكبيرة وعظيمة ترتقي إلى قمة الإنسانية، ومرت بالمواقف الصعبة واحداً تلو الآخر، وكل موقف كان ابتلاءً يزيدها عظمةً إلى أن تجلى ذلك الموقف الكبير في كربلاء، وظهر المعدن الحقيقي للسيدة زينب (عليها السلام).
وقفت ذلك الموقف البطولي ولم تتزلزل عن موقعها، صامدة مستقيمة، في كل لحظة كانت تمسك بزمام الأمور، ولا تدع شيئا ينفلت حتى يصبح أبناء أهل البيت (عليهم السلام) في مأمن، فكانت هي الحامية في غياب الرجال، وقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) مريضا، وكان يحتاج إلى حماية حتى يبقى نسل المعصومين (عليهم السلام) مستمرا.
كانت السيدة الحوراء (عليها السلام) هي المدافعة عن أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء، وعندما نقرأ التأريخ ونرى مواقفها (عليها السلام) نرى قيمة هذه الشخصية، وهناك بعض الصفات التي يمكن أن نستلهمها من شخصية السيدة زينب (عليها السلام):
أولا: الإيمان واليقين والتسليم
في شخصيتها كان الإيمان واليقين والتسليم، وهذا هو المستوى الراقي لهذه الشخصية في مقام المستوى الكبير للأولياء، فهي البذرة الصالحة الكبيرة التي جسدت في كربلاء السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بقوتها وعظمتها وهيبتها، وجسدت في كربلاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ببلاغتها وخطابها وشجاعتها وصمودها.
والإيمان هو المؤشّر الأول والبداية الأولى كي يكون الإنسان شخصية جيدة، وبعد الإيمان تصل إلى اليقين الذي هو قمة الإيمان، فالإنسان الذي يكون على مراتب في شخصيته وفي نموه، يكون أعلى مستويات الإيمان هو اليقين، ومن اليقين ينبثق التسليم المطلق لله سبحانه وتعالى والرضى بقضائه، حيث واجهت السيدة زينب (عليها السلام) في كربلاء، تلك المواقف الجليلة المأساوية.
وقفت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وابنة أمير المؤمنين العقيلة زينب على جثمان أخيها الحسين (عليه السلام) الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها إلى السماء وهي تدعو بحرارة قائلة: (اللهمّ تقبَّل منا هذا القربان)، وهذا هو الإيمان واليقين والتسليم المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى، ففي هكذا موقف جليل ويسلم انسان نفسه لله سبحانه وتعالى، فهذا يعبّر عن عظمة هذه الشخصية وقوتها.
بعض الناس عندما يواجه مواقف صعبة في حياته ينهار ويستسلم، ولا يبقى على قوته وصموده، إلا الصالحين والأولياء، والأئمة والرسل، لذلك وقفت السيدة زينب بقوة وتماسك وهذا الإيمان والتماسك يقف خلفه اليقين وقوة التسليم.
التربية على عدم الاستسلام
عندما نستلهم العبر والدروس من أهل البيت (عليهم السلام)، نحاول أن نستفيد من هذه العبر والدروس في حياتنا، ونصنع من أنفسنا شخصيات قوية من خلال التأسّي بأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو المهم وهو الدرس العظيم الذي نحن بحاجة إليه، هناك كثير من الناس يستسلم وينهار وينحرف بسبب استسلامه، أو يذهب في طريق الظالمين ويكون من أعوانهم، وهذا خطأ كبير يضيع بسببه الإنسان وينتهي، وتذهب حياته هدرا في الاستسلام للظالم والطاغية، وفقا لمبدأ (حشر مع الناس عيد).
لذلك لا بدَّ أن نربي أولادنا على الإيمان واليقين، وأن لا يكون مرتابا ولا شاكّا في حياته، بل يكون عنده يقين بعقائده وإيمانه بالله سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وبأئمته (عليهم السلام)، وبالمعاد والآخرة وأن هناك حساباً، وهذا الايمان يجعله مسلما أمره لله سبحانه وتعالى، من خلال تلك القوة التي تجعله قادرا على مجابهة التحديات الصعبة والمشاكل التي قد تحصل في حياته.



