اخر الأخباراوراق المراقب

التنمية في منهج الامام علي “ع”

التنمية المتوازنة بين الحكومة والشعب؛ وتصريح الإمام علي (عليه السلام) الآتي، يجسّد أروع وأدق وأفضل تعبير عنها، إذ يقول (عليه السلام): (فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى إِلَيْهَا الْوَالِي كَذَلِكَ، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، فَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطَابَ بِهِ الْعَيْشُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ.
وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ.
فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ، بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ امْرُؤٌ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ، بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا امْرُؤٌ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ، بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ‏).
ونصوصه (عليه السلام) واضحة الدلالة على أن المسيرة الإصلاحية التنموية لابد لها من أن تتحرك باتجاهين وبشكل متزامن: فمن جهة تتجه نحو الولاة والحكام والرعاة، ومن جهة تتجه نحو المحكومين والناس والرعية، (فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ…‏).

كما أن نصوصه (عليه السلام) واضحة الدلالة على أنه إنما تقوم مناهج الدين وتعتدل معالم العدل وتتحقق بعدها مراتب الإحسان والفضل ويربح الولاةُ والناسُ الدنيا والآخرةَ معاً بصلاح ذلك الزمان، ويطيب العيش، وتستقرّ الدولة وتزدهر، فيما (إِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا).
وبعبارة أخرى: إنّ حركة التنمية الاقتصادية ضمن مجمل الحركة العامة، يجب أن تتزامن فيها:
أ ـ معايير صلاح الولاة والتزامهم بأداء حقوق الناس كمقاييس عامة وأساسية للمسؤولين في مرحلة انتخابهم أو تعيينهم، ثم طوال فترة حكمهم، وذلك هو مفاد قوله (عليه السلام): (فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ)، و: (وَأَدَّى إِلَيْهَا الْوَالِي كَذَلِكَ)، أي حقها أو على العكس يكون فساده إذا (أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ)، ومنه يعلم أن صلاح الولاة في مثل المقام لا يقصد به صومه وصلاته وكثرة عبادته ودعائه وتهجده مثلاً، بل يراد به عدله وإحسانه، ولذا فرع (عليه السلام): (فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ…) على: (فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ…)، كما أن ذلك هو صريح قول الإمام (عليه السلام) لجماعة من الصوفية: (وَيْحَكُمْ إِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الْإِمَامِ قِسْطُهُ وَعَدْلُهُ، إِذَا قَالَ صَدَقَ، وَإِذَا حَكَمَ عَدَلَ، وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ).
ب ـ مع إيجاد/ وجود جهات فيها الكفاية (وإلا فجميع الناس) تقوم بمهمة التعاون مع القادة والمسؤولين، إضافة إلى نصحهم وترشيدهم تنمية ملكاتهم النفسانية التي تعصمهم من الاستجابة للضغوط، وتحول دون استسلامهم للمغريات التي قد توقعهم في شباك خيانة الأمانة، أو التي قد تفقدهم حتى بعض النزاهة. فذلك كله من مفردات قوله (عليه السلام): (فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ)، ومن مصاديق قوله (عليه السلام): (حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ) الذي أمر به الإمام علي (عليه السلام) موجهاً خطابه للجميع في هذا النص: (فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ…‏) ، انطلاقاً من قوله تعالى: (وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ) ، ولذلك كله فقد شفع أوامره السابقة بقوله مؤكداً: (وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ).
والسبب وراء هذا التأكيد والتشديد هو أن السلطة قوة، والقوةُ مفسِدة، قال تعالى: (كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ، أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ)، وقال جل اسمه: (أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ) ، وكما يحتاج الطفل إلى تعليم وتربية ورقابة مستمرة فكذلك يحتاج، بل بدرجة أشد، الحاكم والمسؤول والرجل السياسي إلى معلّم ومربّ ومراقب على طول الخط، ولذلك ورد عن الإمام الهادي (عليه السلام): (الْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ، وَوَاعِظٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَبُولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ) ، بل إن قوله (عليه السلام): (حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ)، و: (التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ)، يفيد أكثر من مجرد النصيحة أو المراقبة؛ فإن التعاون عمل وسلوك وإجراءات ميدانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى