اراء

هل يتجاوز “إيلون ماسك” الفجوة بين أمريكا والصين؟

بقلم: نزار القريشي..

إن الملفات الدولية الصعبة، التي تنتظر دونالد ترامب، بالنظر إلى تعقيداتها، وتداخلها بشكل غير مسبوق، بدءا بالحرب الأوكرانية، وانخراط الجيش الكوري الشمالي بها، والتطورات بغزة ولبنان، التي ترتبط باليمن والملف السوري، مرورا بالصراع الأمريكي مع الصين إلى ذلك، هذا ما يدفع بالإدارة الأمريكية القادمة للاشتغال على إنهاء هذه الحروب، إذ تختلف نظرة الحزب الجمهوري عن نظرة نظيره الديمقراطي، حيث يرى الجمهوريون ضرورة تركيز وإدارة الصراع مع الصين، في حين رأى الديمقراطيون قبلهم عكس ذلك، بتوجيه صراعهم ضد الروس. وبين وجهتي النظر المختلفتين، والواقع الذي فرضته نتائج الانتخابات الأمريكية، ستظل هذه الملفات عالقة، إلى ما بعد 20 يناير 2025.

فبخصوص الصراع الذي اشتد مع روسيا وقاده البيت الأبيض برئاسة “جو بايدن”، يبقى حله يتأرجح بين خيارين لا ثالث لهما وهو: خيار “هنري كسنجر” وخيار “إيلون ماسك” الذي يقترح إعادة إجراء استفتاء يستفتئ فيه سكان الشرق الأوكراني من جديد لتقرير مصير هذا الجزء من أوكرانيا.

 هذا، وقد أعلنت الخارجية الروسية على لسان وزيرها “سيرغي لافروف”، عن استعداد موسكو للحوار مع البيت الأبيض لإيجاد تسوية للنزاع على الساحة الأوكرانية، وهي رغبة ملحة للكرملين، خاصة أن هذه الحرب استنزفت قدرات الجيش الروسي، وأعادته عشر سنوات للوراء.

في السياق ذاته، إن تخفيض التدخل الأمريكي في النزاع الأوكراني، سيؤهل الناتو للانتقال لإدارة الصراع مع الصين، وذلك بعد إنهاء الحروب الحالية، وهو ما سيؤدي بالولايات المتحدة لاستعادة قوتها بعد انكماشها في الأربع سنوات القادمة، خاصة في ظل مطالب موسكو بالأمن المتكافئ لكل الأطراف، وهو ما يعزل روسيا عن الصين، لأن الكرملين يرى الخطر الصيني القادم كبيرا على حدوده، وهو أيضا ما يتقاطع مع رؤية “دونالد ترامب” حول الملف الصيني. فالصين استفادت كثيرا من تغذيتها للأزمات الدولية من وراء الستار، وهو ما يرى معه ساكن البيت الأبيض الجديد ضرورة عقد صفقة مع روسيا. لأن الصراع القادم لا تحدده نتائج الحرب الأوكرانية  أو صراع الشرق الأوسط أو أي تطور ببحر الصين الجنوبي أو تايوان،  بقدر ما هو صراع الإرادات بين واشنطن وبكين على من يتصدر القرن 21.

غير أن عودة ترامب وتشكيله إدارة جديدة للبيت الأبيض، وسياسته الخارجية التي تم الكشف عن خطوطها العريضة، لا تنفصل عن الوضع داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لأن “مشروع 2025” الذي استلهمه ترامب من الكتاب الصادر عن مؤسسة “هريدتش” التي يرأسها “كفين روبيرتس”، سيعرقل طموحات دونالد ترامب وإيلون ماسك في إدارة الوضع من الداخل، لأن المواجهة مع الدولة العميقة داخل أمريكا، تنطوي على مخاطر كبيرة جدا قد تطال مستقبل الرجلين معا، لأن مواجهة الدولة العميقة هي إعلان حرب صريح على “جماعة المتنورين” و”مؤتمر بلدربيرغ” و”اللجنة الثلاثية” و”تجمع البنائين الأحرار حول العالم” و”التاج البريطاني” و”الدول السبع الكبرى” واستخبارات التجمع  الأنجلوساكسوني.

لذلك يتضح أن ترامب وإيلون ماسك سيخسران الكثير في المستقبل إن لم يتراجعا عن محاربتهما للدولة العميقة في أمريكا. إذ هذا ما قد يجعل “ترامب” يصطدم مع الجنرالات والمخابرات الوطنية الأمريكية جميعها.

من جانب آخر، يسعى “البنتاغون” والشركات العسكرية الأمريكية للتركيز على سد الفجوة وتأخرهم عن الجيش الصيني، وهو ما قد ينجح فيه “إيلون ماسك” إن تحالف مع الجيش والاستخبارات عبر استثماره في التكنولوجيا والاقتصاد لتجاوز سقف الصين، والتأخر الأمريكي والغربي الواضح في تقنية الصواريخ “الفرط صوتية”، وذلك قبل الإقدام والتفكير في أي مواجهة ضد الجيش الصيني. وهو ما قد تتقاطع الرؤية بشأنه بين البيت الأبيض والبنتاغون كضرورة من ضرورات المرحلة للحاق بالصين. إذ هذا ما انعكس على الوضع في الشرق الأوسط لأن إسرائيل لم تحقق انتصارا عسكريا في حروبها غير انتصارها الأمني والاستخباري، وهو ما يؤكده الوضع على الساحة في غزة و لبنان والبحر الأحمر القابل لمواصلة هذه الحرب، وهو ما يدفع بنيامين نتنياهو للاستمرار بها.

فالتهديد الذي يطال الأساطيل الأمريكية بالبحر الأحمر من طرف جماعة “انصار الله” يؤكد أن أمريكا تتأخر بـ 10 سنوات عن الصين فيما يتعلق بتقنية الصواريخ الفرط صوتية، وهو ما يثير مخاوف  شعبة الاستخبارات داخل الجيش الإسرائيلي ” أمان” من قدرات الجيش الإيراني الصاروخية، لأن رؤية ترامب في تدبير هذه الملفات قد تتقاطع مع رؤية الدولة العميقة إن لم تتجاوز إدارته لها اختصاصات البنتاغون ورجاله لأن الجنرالات في أمريكا سيتحركون لمواجهة أي تدخل يعيق دور المؤسسة العسكرية، فإعادة هيكلة العالم لابد لها أن تنطلق من رؤية استخبارات البنتاغون لحسم الصراع مع الصين حول من يتصدر العالم بالقرن 21، لأن “دي أي إي” ترى أن الصراع مع الصين هو صراع عسكري قبل أن يكون صراعا سياسيا، وهو ما تتقاطع الرؤية بشأنه مع لندن عبر “أم أي 6” وباقي الحلفاء في الغرب، حول عزلهم للصين، إذ هو صراع سيكون عنوانا للمرحلة القادمة من أجل ضمان استحقاق تصدر القرن 21 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى