حسابات حقول العدوان وبيادر الميدان

بقلم: حسن أحمد حسن..
صحيح أن الحرب التي فرضتها العدوانية “الإسرائيلية” المتوحشة على المقاومة خلفت الكثير من الخسائر البشرية والمادية، وعممت التدمير والخراب ومحاولة خنق إرادة الحياة، لكن الصحيح أيضاً أنه على الرغم من كل التوحش والإجرام والمجازر المرتكبة فمعطيات الواقع، وقرائنه الدالة تشير إلى حتمية الفشل والإخفاق المدوي في تحقيق أي من الأهداف الكبرى التي تبجح بها نتنياهو وبقية عصابة القتل والإجرام في حكومته العنصرية التي بدأت تعاني أهوال احتراق السردية الصهيونية التي فرضت على الرأي العام منذ عقود، وما حدث في هولندا ما هو إلا بداية ذوبان رأس جبل الجليد الكفيل بتعرية هذا الكيان الخارج على كل شِرْعة وقانون بلا حسيب أو رقيب، ولعل مراكمة الإخفاقات والفشل تشكل القاسم المشترك بين فصول هذه الحرب المركبة، سواء بشقها العسكري ــ الميداني أو ببقية الفصول المكرسة لاستهداف الوعي الجمعي وطرائق التفكير، ومن الجدير بالذكر هنا أنه منذ أن أثبت حزب الله قدرته على امتصاص هول الصدمة التي تلقاها واستطاع البقاء واقفاً كان واضحاً لمن يريد الاعتماد على التحليل المنطقي والقراءة الموضوعية أن “إسرائيل” فقدت إمكانية تحقيق أي صورة لنصر عسكري، فمن المستحيل على جيش الاحتلال ومن يدعمه بلوغ ما لم يستطع تحقيقه في الأيام الأولى بعد ارتقاء غالبية قادة الصف الأول، وعلى رأسهم الشهيد الأقدس سماحة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، وهذا ما أكدته لاحقاً لوحة ميدان الأعمال القتالية اليومية، وعلى الضفة الأخرى كان الإخفاق العنوان الأبرز في الحرب على “كي الوعي” ومحاولة تثبيط الهمم والعزائم، وبث اليأس والقنوط في صفوف المقاومة وعشاقها، وتلا ذلك إخفاق آخر في محاولة إذكاء فتن داخلية وشق الصف اللبناني والعمل على تشظيته وفق ما تروج له جوقة الإعلام المأجور النتن الذي تزكم روائحه الكريهة أنوف اللبنانيين وغير اللبنانيين، وبدلاً من الحديث عن مرحلة ما بعد حزب الله أصبح التفكير مركزاً على عنوان مناقض، أي عن مرحلة: ما بعد انتصار حزب الله رغم أنوف طواغيت الكون، ولمن لا يروقه إلا ما ينشره الإعلام الصهيوني وصيصانه أن يقوم بجولة سريعة في وسائل الإعلام “الإسرائيلي” ويتابع ما الذي يقال عن الواقع الميداني والتداعيات المحتملة للقادم من الأيام، وليسأل نفسه: ماذا يعني أن تعترف صحيفة معاريف بأن (“إسرائيل” تخوض حرباً على سبع جبهات منذ عام، خسر فيها “الجيش الإسرائيلي” ما يقرب من فرقتين، وهو يفتقر إلى آلاف الجنود حتى قبل أن نحصي القتلى والجرحى!”)، في حين تؤكد وسائل إعلام إسرائيلية أخرى أن: (“حزب الله يحافظ على قدراته الصاروخية وسوف تبقى بعد نهاية المعركة الحالية، وحتى بعد عودة “سكان” الشمال، فالمؤسسة الأمنية والعسكرية لا تستطيع ضمان عدم إطلاق صواريخ من لبنان”)، في حين أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” بتأريخ 9/11/2024م. أنّ (حزب الله أطلق صواريخ من على الخط الحدودي تجاه مستوطنة “إيفن مناحيم)، وعندما يذكر الخط الحدودي باللفظ، فهذا يعني أن الفرق العسكرية الإسرائيلية لم تتقدم متراً واحداً على ذاك الاتجاه الذي تم إطلاق الصواريخ منه.
باختصار شديد يمكن القول: لم يعد أمام إدارة بايدن بعد أن دخلت مرحلة “البطة العرجاء” إلا أن تعمل على إنزال نتنياهو عن الشجرة التي دفعته لتسلقها، وهي تتحمل المسؤولية الأكبر عن كل ما حدث أو يحدث من تداعيات، وطالما أن أعاصير مسرح العمليات على امتداد الجبهة المشتعلة تأتي معاكسة للأحلام والأمنيات الصهيو ــ أمريكية فمن الطبيعي أن نسمع ونقرأ في الأيام القليلة القادمة الكثير من السرديات والأخبار المسربة أو المنسوبة لمصدر مطلع، أو لمصدر رفيع، أو لمسؤول اشترط عدم الكشف عن اسمه أو… أو إلخ.
وهذا يحمل رسالة واحدة بمضمون يقول: نتنياهو يستجدي واشنطن للتوصل إلى اتفاق لإطلاق النار، وليس العكس، ومن لا يقتنع بمثل هذا الكلام يمكنه الاحتكام إلى ما يعترف به “الإسرائيلي” صراحة، ومقارنته مع ما تتضمنه القراءة الموضوعية للواقع العسكري الميداني على امتداد الجبهة في جنوب لبنان، وهذا كفيل بتوضيح بعض الحقائق التي لا يستطيع العدو إنكارها، ومنها:
ــ خمس فرق عسكرية “إسرائيلية” تعمل بكل ما تستطيعه منذ أكثر من شهر، وهي مجهزة بكل ما يمكنها من تحقيق الأهداف المعلنة المتضمنة اجتياحاً برياً شاملاً لجنوب لبنان وإبعاد المقاومة في حزب الله إلى ما وراء الليطاني، وحتى تأريخه ما تزال الفرق الخمس بتعدادها البالغ أكثر من ستين ألفاً تراوح مكانها في مواجهة بضع مئات من مقاومي حزب الله، ولم تنجح في تحقيق أي اختراق نوعي على امتداد الحدود مع فلسطين المحتلة، ولم تستطع أي من القوات المهاجمة إحكام السيطرة على أي من قرى المواجهة الحدودية، ولا إقامة رأس جسر ونقطة ارتكاز على أي من التلال الحاكمة.
– أي محاولة للتقدم البري “الإسرائيلي” تكون مسبوقة باعتماد سياسة الأرض المحروقة أكثر من مرة بوابل من القذائف والصواريخ والنيران الكفيلة بإبادة كل مظاهر الحياة، ومع ذلك ما يزال المقاومون الأبطال ثابتين في مواقعهم يترصدون أي تقدم للعدو ويتعاملون معه بمنتهى الكفاءة، فما أن تظهر فوهة سبطانة مدفع دبابة حتى تتحول الدبابة إلى كتلة من لهب ونار بمن فيها، أي أن رجال المقاومة غدوا جزءاً لا يتجزأ من صخور الجنوب وترابه وأشجاره ومنحنياته وتلاله ووديانه، غدوا جزءاً من الجغرافيا وغدت الجغرافيا تحمل بصمتهم وتحمل هويتهم وتفتخر بعبق أنفاسهم وهم يذلون ضباط العدو وجنوده على مدار الساعة.
– نجاح المقاومة في تنفيذ الكمائن المحكمة، وجر العدو إلى ما يسمى بالعسكرة “جيوب قتل”، وفي كل مرة يظن قادة القوات المهاجمة أنهم يحرزون تقدماً يُفاجأون بأنهم أصبحوا ضمن كمائن قاتلة، ويجرون خيبتهم مع قتلاهم وجرحاهم، ومن المهم هنا الإشارة إلى إبداع المقاومين في جر العدو إلى نوعين من الكمائن: كمائن معدة بشكل مسبق، وكمائن يتم تجهيزها وفق مجريات المعركة، إذ يتم توقع محاور تحرك العدو ونصب الكمائن الناجحة، وهذا ما تفردت به المقاومة في حزب الله، وكررت استثماره في العديد من البلدات وقرى الحافة القتالية: عيتا الشعب ــ مروحين ــ عيترون ــ حولا ــ مركبا ــ رب ثلاثين ـ مارون الراس يارون ــ شبعا ـ تلال كفر شوبا وغيرها.
– العديد من وسائل إعلام العدو اعترفت بأن عدد القتلى في صفوف القوات المهاجمة تجاوز المئة قتيل من الضباط والجنود، وعدد الجرحى قرابة الألف أو أكثر، إضافة إلى تدمير نحو خمسين دبابة ميركافا وعدد من العربات المدرعة والجرافات وناقلات الجند، فضلاً عن إسقاط عدة طائرات مسيرة من طراز “هيرمز 450” وأخرى من طراز “هيرمز 900” وهي فخر الصناعة “الإسرائيلية” والكثير غير ذلك، وهذا يعني أن ما ينتظر العدو – فيما تبقى من فصول هذه الحرب – الكثير من الصراخ والعويل المترافقين مع عجز ميداني يتراكم ويحمل معه فيروس الهزيمة المزمن المعشش في نفوس الضباط والجنود.
مؤشرات الوضع العام تميل لصالح المقاومة، ومن يتابع الداخل “الإسرائيلي” وإعلامه يدرك عظمة ما يحققه المقاومون حماهم ربُّ العالمين.



