اراء

إنذارات إخلاء إسرائيلية شكلية في لبنان

بقلم: الدكتورة إنعام أديب برقوق..

منذ أواخر سبتمبر من عام ٢٠٢٤ تمارس اسرائيل تصعيداً عسكرياً كبيراً على الجبهة اللبنانية، لتتحول من قواعد الاشتباك المحددة إلى العمليات المفتوحة، والتي تتمثل في شنّ غارات جوية على مختلف المناطق اللبنانية، حتى اصبح يطل المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي على اللبنانيين بشكل شبه يومي بخرائط لأماكن لبنانية مختلفة، محدداً فيها قرى أو مباني سكنية  قاطنة في مناطق معينة، يدعي  فيها وجود منشآت ومواقع تابعة لحزب الله، طالباً منهم إخلاءها كإنذار مسبق من قصفها.

ويُعد الهدف الأساسي من التحذير هو تسهيل حماية السكان المدنيين حتى يتمكنوا والسلطات التي تسيطر عليهم من اتخاذ التدابير اللازمة للحد من خطر تعرضهم للأذى من جراء العمليات العسكرية، الا أن انذارات الجيش الإسرائيلي في لبنان مختلفة عن ذلك، فهي انذارات غير متزنة ومخالفة لقواعد القانون الدولي لأنها:

– تجبر غالبية السكان المدنيين المتواجدين في الأماكن المحددة على التهجير قسرياً،  وهي واحدة من  الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة 7 من نظام المحكمة  الجنائية الدولية.

– ولكي يكون التحذير بالإخلاء فعالاً، يجب أن يتم إبلاغه في الوقت المناسب ، لكن نجد أن انذارات الجيش الإسرائيلي منها يتم نشره في الليل المتأخر، ومثال على ذلك انذارات اخلاء الضاحية الجنوبية في ليلة 1/11/2024 التي تم إرسالها في الساعة الواحدة صباحاً، قاصداً بذلك خلق فضاء من الذعر والفوضى تهدد نوم المدنيين الآمنين في منازلهم.

– كما أن بعضها يُنشر قبل وقت قليل من بدء الهجمات العدائية وهذا ما قد يعرض المدنيين للخطر لاسيما بشكل خاص غير القادرين منهم على التحرك بشكل سريع.

اذاً ما الهدف الاسرائيلي من انذار الاخلاءات؟

من المؤكد ان الجيش الإسرائيلي بتأريخه الاسود المليء بالهمجية والوحشية لا يسعى إلى حماية المدنيين اللبنانيين من القصف، بل يعتقد من نشر هذه الخرائط انه تحايل على القانون الدولي واستغل ثغراته لحماية نفسه وتبرير جرائمه في حال لجوء لبنان إلى المحافل الدولية، إلا ان ذلك قد لا يُعفيه من المسؤولية وذلك لأن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف1977   أكد في المادة 57 منه على ان ضرورة الغاء الهجمات اذا كان الهدف ليس عسكريًا أو إذا كان يتوقع أن يسبب الهجوم عرضيًّا خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرارًا بالأعيان المدنية أو أن مجموعة من هذه الخسائر والأضرار ويكون مفرطًا في تجاوز ما يُنتظر. لذلك اسرائيل ملزمة، ولو اعتقدت أن المباني تستخدم لأغراض عسكرية، بأن تلجأ إلى أساليب تقلل الضرر على المدنيين وممتلكاتهم.

والهدف الآخر من تدمير مئات من هذه المباني هو نوع من العقاب الجماعي على اللبنانيين والمحظور حسب المادة 33 من اتفاقيات جنيف الرابعة التي تنص على “حظر العقوبات الجماعية، وجميع تدابير التهديد وتدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم”، والذي كان قاصداً منه زيادة معاناة المدنيين بعد القضاء على بيوتهم وممتلكاتهم وتفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، والذي قد يخلق عند حد زعم الإسرائيلي نقمة على المقاومة من البيئة الحاضنة.

أخيراً، لا يمكن لأيّ هدف عسكري أن يبرّر حجم التدمير الشامل والمنهجي المرتكب بحق المربعات السكنية الموجودة في بعض المناطق اللبنانية، الا أن سياسة التدمير الانتقامية هي سياسة تستخدمها إسرائيل في كل عدوان بذرائع مختلفة تحاول من خلالها اظهار صورة تشي بالسيطرة والانتصار لإرضاء المجتمع الداخلي الاسرائيلي، ورغم الحظر الصريح لهذه الأفعال في قواعد القانون الدولي الانساني، الا انها ولمرة جديدة تتحدى القانون الدولي واتفاقياته وترتكب جرائم دولية متنوعة في لبنان دون حسيب ولا رقيب، وهذا ما يعد نتيجة طبيعية ناجمة عن الدعم المتواصل بالأموال والاسلحة لاسرائيل وتغاضي المجتمع الدولي عن كافة جرائمها وإفلاتها من العقاب مكنها من المواصلة في خروقاتها، وجعل قادتها يشعرون بجنون العظمة والسعي لاستكمال تحقيق حلمهم الكبير في إعادة ترتيب المنطقة لخلق شرق أوسط جديد عنوانه القوة على دماء وممتلكات الأبرياء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى