اراء

أوهام وأضغاث أحلام

بقلم: موفق محادين..
فأما الأوهام، فأبرزها:

  • وهم تفريغ الصراع مع العدو الصهيوني من جوهره الحقيقي على مستوى الأمة كلها، فالمشروع الصهيوني وُلد في سياق الحاجة الإمبريالية إلى ثكنة عسكرية – اجتماعية شرقي المتوسط على طريق الهند – حيفا، كما لبناء “بافر ستيت” بين مصر والشرق العربي بعد المخاوف التي أثارتها محاولات محمد علي توحيد مصر مع بلاد الشام ونقل المركز من إسطنبول إلى القاهرة.
    وبالتالي، فالمعركة مع هذا المشروع هي معركة كل قوى الأمة وخصوصاً مصر وقوى الطوق المستهدفة بصورة أساسية، وصار الفلسطينيون، ولاحقاً اللبنانيون في مقدمة أهداف العدو وجرائمه في طريق إخضاع الأمة والسيطرة على مقدراتها لمصلحة التحالف الإمبريالي الصهيوني.
  • وهم تسويق المشروع الصهيوني في صورة نزاع عابر مع أوساط فلسطينية ولبنانية، وليس في صورة صراع تناحري، والفارق كبير بين مفهومي النزاع والصراع، فالأول يضفي على العدو شكلاً من الشرعية والتباينات الصغيرة على حدود أو موقف أو شريط مائي أو مبادرة، بينما الثاني يكشف حقيقة العدو وجوهر الصراع معه في إطار التناقض التناحري الذي لا يحسم مثل كل التناقضات التناحرية إلا بالقوة.
    كما أن هذا المستوى التناحري يؤكد العلاقة الجدلية بين مختلف أطراف المعسكر الإمبريالي، في مقابل التأكيد أيضاً أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة بصفتها عنوان الحلقة المباشرة في الاشتباك مع الإمبريالية ومساعيها للسيطرة على الشرق الأوسط ومنع الأمة من حقها في الوحدة والتقدم.
  • وهم الخلط بين القضية الفلسطينية ولاحقاً الحالة اللبنانية، وبين المشروع الصهيوني في الإطار المضلل والخَطِر باسم اختلاف السرديات والروايات السياسية، فالقضية الفلسطينية قضية حق تاريخي وليست سردية أو رواية منافسة أو بديلة، ومثل ذلك ما يتعلق بالحالة اللبنانية كجزء من حالة الأمة التي تتعرض للاعتداء والتدمير الهمجي في جبهة من جبهاتها أخذت قراراً شجاعاً بإسناد الجبهة الفلسطينية.
  • وهم الاعتقاد أن الإمبريالية الأميركية مجرد داعم للعدو الصهيوني، بينما هي الشريك الأساسي له في كل جرائمه، سواء انطلاقاً من الخطاب العنصري الهمجي المشترك والذي رأيناه في مقارنة المذابح الصهيونية وحرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين واللبنانيين في المذابح الأميركية ضد الهنود الحمر، أو انطلاقاً من الرؤية الإجرامية المشتركة لتصفية كل صوت ممانع ومقاوم لبناء شرق أوسط إبراهيمي أميركي.
  • وهم القدرة الصهيونية الذاتية، ففي أعقاب الأيام الأولى من اجتياح الجيش المصري لخط بارليف الصهيوني، أقوى خط دفاع في التاريخ بعد خط ماجينو، واجتياح الجيش السوري لدفاعات العدو في الجولان العربي السوري المحتل والوصول إلى ضفاف طبريا، وخسارة العدو مئات الدبابات والطائرات، أظهر تقرير “التقصير الصهيوني” أن الكيان الصهيوني كان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار لولا التدخل العسكري للإمبريالية الأميركية ودفع أساطيلها نحو البحر المتوسط.
  • وهم الإعلام الدولي المحايد: عندما يقع حادث صغير ضد مصالح أميركية أو أوروبية أو صهيونية في أي بلد في العالم، يزدحم المراسلون من عشرات وكالات الإعلام الدولية، مثل رويترز واسوشيتد برس والفرنسية والبريطانية والألمانية، لتغطية الأخبار والتدقيق في تفاصيل التفاصيل، أيا كانت حقيقتها وأكاذيبها، كما رأينا عند وفاة سيدة واحدة معروفة بعلاقاتها بالثورة الملونة في إيران.
    هذه الصورة من الضجيج الإعلامي الدولي غابت إلى حد لافت في تغطية الجرائم الصهيونية، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان، وكان ضحيتها أيضا عشرات الشهداء الإعلاميين من المنار والميادين والجزيرة وغيرهم، فهل هو الخوف من نفوذ الصهيونية العالمية أم التواطؤ معها وتغييب أي شهادات بشأن جرائم العدو الوحشية.
  • وهم النأي بالنفس، سواء لأسباب انهزامية أو للأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الوهم، وهي توفير الغطاء للصهينة والتطبيع والأمركة.
  • وهم التعايش مع العدو، بينما الطبيعة التناحرية بيننا وبينه لا تقبل القسمة على اثنين، نحن أو هو، شرق متحرر سيد أو شرق متصهين ذليل.
  • وهم حياد المحميات النفطية وتوابعها العربية، أو تحييدها: ما يقال عن تواطؤ عواصم عربية مع العدو الصهيوني كانت توصف بالرجعية والتبعية لواشنطن في خطابات جمال عبد الناصر وقبل ظهور حزب الله بعقود، ليس مفاجئاً ولا جديداً، فهذه العواصم بالذات ساندت العدوان الثلاثي الصهيوني – البريطاني – الفرنسي على مصر الناصرية عام 1956 وكررت الموقف نفسه في عدوان 1967 للتخلص من جمال عبد الناصر ومشروعه القومي، كما في العدوان الصهيوني على لبنان والمقاومة والحركة الوطنية الفلسطينية واللبنانية والجيش السوري عام 1982، لتمرير ما عرف بمبادرة فهد أو قمة فاس الأولى. وصارت هذه العواصم جزءاً من الحملة الصهيونية الأميركية على محور المقاومة منذ عقدين على الأقل، ثم صارت جزءاً من تحضيرات الشرق الأوسط في صيغته الإبراهيمية.

أما أضغاث الأحلام، فأبرزها:

  • رؤية واشنطن كقدر أبدي، إما انطلاقاً من الفقر النظري والاستراتيجي بشأن مآلات الإمبريالية، وإما بسبب التورط في أجندتها، وهي رؤية لا تلحظ أن الأزمة البنوية العميقة التي تعيشها هذه الإمبريالية لا تشبه سابقاتها والهرب منها بالحروب أو الطفرات العقارية المبرمجة وغيرها، فهي بشهادة أخطر عقل استراتيجي إمبريالي، بريجنسكي، وفي كل كتاباته حتى وفاته، أزمة مفتوحة على احتمالات خطرة منها الحرب الأهلية، كما لا تملك واشنطن تطويق هذه الأزمة كما في المرات السابقة بالنظر إلى اتساع الفجوة بين الشكل السياسي للدولة وبين الثورة التقنية وطرد عشرات الملايين من سوق العمل وصعوبة التعويض كما في السابق، بالإضافة إلى عولمة المراكز الرأسمالية وظهور دول مثل الصين.
  • الاعتقاد أن “دولة” العدو الصهيوني تستطيع، عبر حملات الإبادة الجماعية وتدمير المنازل وشبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس، أن ترمم دورها الوظيفي المتأكّل وتجديد عروقها الذابلة، وبالتالي فرض نفسها قوة مهيمنة على الشرق الإبراهيمي الموعود الموهوم، فالقتل والتكنولوجيا المتقدمة لم ولن ينقذا كياناً في طريق الأفول والزوال، ولاسيما هذا الكيان بالتحديد، والذي قال عنه سيد الشهداء، حسن نصر الله، إنه أوهن من بيت العنكبوت، وقد تحول من تشكيلة أشكنازية عنصرية (غادر كثير منها الكيان تحت قصف حزب الله وتفريغ الحزام الشمالي) إلى ثكنة إجرام حاخامية مجوّفة، على غرار طالبان.
    ومن المؤكد أن العدو، على الرغم من تجريفه الوحشي للبشر والحجر في غزة ولبنان، في طريقه إلى هزيمة ميدانية أمام مقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني وأمام صمود المقاتلين في قطاع غزة، ولن يتخطى كثيرا لا حدود الجنوب ولا حدود القرار 1701.
  • التهجير الشيعي والفلسطيني، من الملفات الخطرة المحجوبة التي تقف خلف العدوان الصهيوني وداعميه الإمبرياليين على لبنان، اللعب بالديموغرافيا والتشكيلة الاجتماعية والمذهبية ضمن أبعاد عنصرية وطائفية، وفي سياق هدايا سامة إلى القوى الطائفية العميلة المعروفة، كما حدث مع المشروع التكفيري ورعاته الأطلسيين ضد المسيحيين ومحاولة تهجيرهم من الشرق.
  • الإفلات من العقاب: على الرغم من القتل الجماعي للمدنيين والتدمير المروع الممنهج للبنى التحية وكل أشكال السعار الصهيوني المتوحش، فإن المستقبل يرسمه الحق المعزز بالصلابة والإرادة والإعداد الثوري بكل السبل والأشكال، كما يراه ويلمسه الجميع على جبهات القتال وبين الركام في قطاع غزة ولبنان.
    عن الزبد وما يمكث في الأرض
    من سورة الرعد (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وللمعاجم أكثر من قول في الزبد: الغثاء، الرغوة الطافية فوق الماء، زبد البعير وما يطفو من صهر الفضة والمعادن، وهو في كل التفسيرات عابر وزائل ولا قيمة له، كما الخشب الفاسد والسمك الميت على وجه الماء وما تتركه ضفاف الأنهار والوديان والجيف.
    أما ما يمكث في الأرض فما يظهر في الغلال والبساتين والسهول وزرع ليس مثله زرع وروح تتسامى جيلاً فجيلاً، من الإمام الشهيد في كربلاء إلى الإمام الشهيد في بيروت، أيقونات مقدسة وعلامات مباركة في طريق المجد والشرف والبطولة والكرامة.
    محكومون بالتجسس والقتل يعقدون المؤتمرات ويتسيدون الشاشات ويتحدثون عن الديموقراطية والسيادة والدولة المدنية وانتخاب مرشح واشنطن رئيساً، ولم يتعلموا الدرس اللبناني أبداً، فقبلهم محطات وأحداث وعملاء أعلى شأناً عند مشغليهم، صعدوا وقتلوا وعاثوا في لبنان فساداً سنوات طويلة وانتهوا أوراقاً صفراء شاحبة على قارعة خريف تلو خريف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى