لوحات كريم سعدون.. ثائرة ضد الحروب مستندة الى الموروث الثقافي العراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
أكد الفنان التشكيلي كريم سعدون، ان التصاقه بوطنه العراق بعد اغترابه الطويل عنه، يعد سبباً في اظهار أكثر لوحاته ثائرة ومتمرِّدة ضد الحروب والزيف الذي يغلف الحياة، وهي لوحات بألوان مستندة الى الموروث الثقافي العراقي.
وقال سعدون في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: ان “المشاركات الفنية في العديد من دول العالم، حرصت على ابراز اسم بلادي فيها، والحمد لله ان هذه المشاركات كانت بمثابة انصاف لتأريخ العراق الكبير في الفن التشكيلي، حيث فزت بجوائز تقديرية باسم العراق”.
وأضاف: “على الرغم من الاهمال الذي طال الفن التشكيلي خلال الظروف الأمنية الصعبة والارهاب خلال الفترات السابقة، إلا ان الواقع قد تغير كثيرا نحو الأحسن في الوقت الحاضر وهو ما يبشر بمستقبل جديد للبلاد”.
وتابع: ان “اللوحات التي رسمتها كانت تحمل ملامح عراقية مقهورة في بعضها، فيما ظهرت أكثر لوحاتي ثائرة ومتمرِّدة ضِدَّ الزيف الذي يغلف الحياة، والشيء الذي يميزها انها لوحات بألوان مستندة الى الموروث الثقافي العراقي، وهي محاولات للحفاظ على الإرث الحضاري للعراق من خلال زجها بين ألوان اللوحات للتعريف بهذا التراث الذي ليس له مثيل في العالم”.
من جهته، يقول الناقد المغربي ابراهيم الحَيْسن: “في الكثير من أعماله الفنية التأسيسية، سعى الفنان كريم سعدون إلى استعادة جوانب مهمة من الموروث الثقافي والحضاري لبلاد الرافدين، من منظور إبداعي جمالي يحمل أكثر من رسالة، وأكثر من معنى، حيث ظهرت هذه الأعمال مفعمة بمفردات بصرية تحاكي الأساطير القديمة، طلاسم، رموزاً معتقة، وشوماً، وأخرى احتفت بالبيئة العراقية بأهم مكوِّناتها المقدَّسة عند السومريين والبابليين والآشوريين، على نحو رمزي يمتد لتوليفاته وإنشائياته التشكيلية التي يمتزج فيها التشخيص مع التجريد”.
وأضاف: “لقد تميَّز اشتغال الفنان على هذا المستوى بالتصوير الإيحائي، لتثمين أصوله وجذوره الثقافية والتراثية، من منظور صباغي معاصر قائم على التجديد، وهو حصيلة أشغال متتالية داخل محترف لا يهدأ، حيث شغف الفنان وولعه بالإبداع الذي يجد فيه وسيلة للتنفس، والانتصار لمواقف شخصية صعبة، لم يكن من السهل استيعابها والتعبير عنها بتصويرية رمزية تتعايش فيها الألوان وحوامل الاشتغال، من الرماديات الملوَّنة، مروراً ببياضات نورانية وتسريحات لونية صمغية وترابية محمرة، مع زرقة كوبلتية وصفرة ساجية، بجانب درجات لونية بنية وكحلية وبنفسجية.. وغير ذلك من التطبيقات الطيفية المتنوِّعة التي نسجها الفنان في العديد من لوحاته، احتفاءً بالتراث وبالأرض التي لم تسلم من التخريب والتدمير، ومن الاعتداءات المتكرِّرة من طرف أعداء الحياة والوجود.. فكثيرة هي لوحاته الفنية التي مجدت المكان وتاريخه، المكان بما هو فضاء وذاكرة وتاريخ.. وثقافة الأسلاف أيضاً”.
وتابع: “تبدو الأجساد في لوحات الفنان كريم سعدون ثائرة، وتظهر بهيآت إقلالية (مينيمالية) لكنها متينة وقوية تحمل بعض السمات الكاريكاتيرية بأنفاس تعبيرية، في مقابل أخرى واقفة ومتعامدة تحيط بها أحياناً حروف وأرقام وإشارات غرافيكية لها دلالات بصرية تشترك في إنتاج المغزى، ورسم مسالك المعنى، وتكسوها أحياناً أخرى خدوشات وإمحاءات بمخفيات لونية تكشف أكثر مما تحجب.. وتبوح أكثر مما تخفي.. وهنا تكمن المفارقة، إنها أجساد وشخوص حائرة ومحيِّرة في آن، تتجاوز حالات الارتباك والتيه والانتظار وتقاوم واقعاً جوانيّاً محمَّلاً بهموم وقلق وجودي يعيشه الفنان في ظروف المنفى اللااختياري والهجرة القسرية، مع ما يصاحب ذلك من صراعات وإكراهات يفرضها العيش خارج الوطن”.
وأوضح: “وسط هذا الاشتغال الإيحائي الرامز Symbolisant، صرخة داخلية تقف إلى جانب الكيانات البشرية في مواجهة أعطاب التاريخ، وآثار الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية المميتة، أجساد جريئة ترفض العيش في الهامش، لتظل بذلك حالمة تحتج دون ضجيج، يلفها الصمت ويعمُّها التأمل في أوضاعنا المزرية وتطرح في كل مرة، أسئلة جوهرية وعميقة حول جدوى وجودنا الجديد”.
وأكمل: ان “لوحاته فيها أجساد متشظية تتمدَّد ببهاء الحبر الأسود الذي يؤسر النماذج المرسومة داخل توليفات واستعمالات لونية «تقشفية» في بعض الأحيان تسودها شفوف وبياضات، بجانب رمدة مفتوحة ومكثفة أحياناً أخرى بشرائح وطبقات متعدِّدة متراكمة، الأمر الذي يمنح اللوحة أبعاداً تشكيلية معاصرة قائمة على التضاد والتباين (الكونتراست) الذي تتيحه التقنيات التلوينية المستعملة (زيت، أكريليك، حبريات..)، من ثمَّ تمسي الأجساد في لوحات الفنان سعدون أشكالاً تحيا داخل منظومة واسعة من الاستعارات البصرية، مثل إمضاءات خفيفة التنفيذ تحمل سرّاً ما.. وتعيش وسط تجريب صباغي لا يتوقف، لأنه يلازم الذهن والفكر اليقظ للفنان، الذي يتبوَّأ مكانة إبداعية متميِّزة مستحقة داخل مشهدنا التشكيلي العربي”.



