اراء

عن الضربة الإسرائيلية لإيران ودلالاتها

بقلم: رضا القزويني الغرابي..

قامت الدولة العبرية العنصرية مؤخرًا بتوجيه رد على عملية إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية على الأراضي المحتلة في الأول من تشرين الاول، وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الترقب والتهديدات الفتاكة بقصف المنشآت النفطية والنووية الإيرانية، كان ما شهده الجميع مختلفًا تمامًا. فقد أظهرت الضربات، أن الرد كان بمستوى منخفض وأقل بكثير مما توقعه الكثير، نتيجة ما قام به الصهاينة من تهديدات على لسان كبار قادتهم. ولكن تأكد أن الضربة الإسرائيلية جاءت فقط لحفظ ماء الوجه بعد كثرة الوعود والتهديدات.

أما ما طبيعة الضربة الإسرائيلية على إيران في الليلة الماضية؟ تحدث القادة السياسيون والعسكريون في إسرائيل عن “انتصار” في عملية الرد على إيران، وسردوا جملة من الأكاذيب المكشوفة مثل استخدام 100 طائرة حربية، من بينها طائرات إف-35، لضرب إيران. ولكن في المقابل تشير المعطيات إلى أن الضربات لم تكن بمستوى التهديدات الإسرائيلية، وخاصة التهديدات التي أُطلقت على لسان الوزير غالانت، حيث انتقدت الصحافة الإسرائيلية الضربة واعتبرها البعض “هزيلة”. الأفلام التي انتشرت من داخل إيران أظهرت أيضًا التصدي الكبير لغالبية الصواريخ والطائرات المسيّرة الإسرائيلية قبل سقوطها على الأهداف.

ضعف الرد الإسرائيلي بعد أسابيع من الجَرّ والشَدّ يؤكد عدم قدرة الكيان على توسيع رقعة الحرب مع طهران في الظروف الحالية بعد عملية “الوعد الصادق 2” وفشل نتنياهو في جر الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، حتى وإن كانت محدودة وضيقة النطاق. حاول نتنياهو كثيرًا من أجل إقناع أمريكا بدعم ضرب المنشآت النووية والنفطية الإيرانية، لكن أمريكا عارضت ذلك خشيةً من رد مدمر إيراني ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة ومصالح حلفائها. لذلك، يمكن القول إن الرد الإسرائيلي، رغم استهدافه ثلاث محافظات إيرانية (ضواحي العاصمة ومناطق حدودية مع العراق وليست مأهولة بالسكان)، كان غير ناجح. حتى طبيعة المناطق التي اختارتها إسرائيل للضربات تظهر عجزها في اتخاذ قرار بضرب المناطق الأكثر أهمية. ضرب ضواحي طهران وعدم ضرب العاصمة، واستهداف المناطق الحدودية مع العراق في محافظتي خوزستان وإيلام وعدم ضرب العمق الإيراني، دلالة على فاعلية التهديدات الإيرانية بالرد على إسرائيل، والقوة النوعية لعملية “الوعد الصادق 2″، وقدرة الدبلوماسية الإيرانية خلال الأيام والأسابيع الماضية التي نجحت في إخافة إسرائيل وتوجيه الدول الإقليمية والغربية لكبح جماح الدولة العبرية العنصرية.

إيران، من خلال عمليتين عسكريتين ضد كيان العدو، استطاعت فرض التوازن ونظام إقليمي جديد، وألقت الرعب في الكيان المستهتر، وحتى أخافت بذلك اللاعبين الصغار المتعاونين خلف الستار مع العدو الصهيوني. فقد ظهرت للجميع القدرات الإيرانية، وعربدة إسرائيل الفضفاضة، وعدم وقوف أمريكا بجانب إسرائيل، فعلى الآخرين أن يعيدوا حساباتهم الخاطئة.

أما فيما يتعلق بالرد الإيراني على الضربة الإسرائيلية، فيُعتقد أن غرفة القرار هي من تقوم بدراسة الوضع للرد أو عدمه، أو تحديد شكل الرد وحجمه؛ فالقرار يجب أن يكون حكيمًا ومدروسًا وقاطعًا دون إعطاء الفرصة للتمادي. ويجب أن نعرف أن إيران وحلفاءها يعتقدون أن حرب الاستنزاف هي الحل الأفضل لتآكل كيان العدو، ويدركون أن العدو يسعى للخروج من هذا الوضع من خلال شن حرب واسعة بمشاركة أمريكية وغربية مباشرة ضد إيران، وحتى الآن فشل في ذلك. لكن تعرف طهران أن قوة ردعها كانت فعّالة ولعبت دورًا أساسيًّا في فشل إسرائيل في إدخال الآخرين بحرب معها. البيان الصادر عن الخارجية الإيرانية بعد ساعات من الضربة الإسرائيلية أكد أيضًا، أن إيران لا تنوي الدخول في حرب مباشرة، خاصة أن الضربة لم تكن مؤلمة أو حساسة.

وأخيرًا، إن الوضع الإسرائيلي الداخلي معقد جدًا، وعلى الرغم من تمكن الكيان الإرهابي من اغتيال عدد كبير من قادة المقاومة، إلا أن ظروفه القاسية في الجبهة الشمالية واستنزاف جنوده المؤلم في المعركة مع المقاومة اللبنانية، بالإضافة إلى الجبهة الإيرانية التي قد تفتح أبوابها في أية لحظة والتي أظهرت قدراتها الفائقة، وعدم استطاعته إقناع الشركاء بالوقوف إلى جانبه بصورة مباشرة، ستجعل الكيان في وضع مأساوي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى