اخر الأخبارثقافية

شوك وقرنفل يحيى السنوار.. الأكثر قراءةً بعد خبر استشهاده

يوسف م. شرقاوي..

لم تنلْ رواية يحيى السنوار، “الشوك والقرنفل”، كبيرَ اهتمامٍ في العالم العربي، لكنّها سرعان ما أصبحت الأكثر قراءةً بعد نشر خبر استشهاده.

يصبح خطاب الفرنسي رولان بارت في كتابه “نقد وحقيقة”، وفي هذه الحالة تحديداً، خطاباً مباشراً وصريحاً ويتوجّه إلى الهدف مباشرةً. تتملّص كلمتا “موت المؤلّف” من النظريات والسياقات المعرفية، تنفكّ من كونها مجازاً، وتصبح حقيقةً مجرَّدة: موت المؤلّف هنا، بالمعنى الحَرفي للكلمة، هو ما يُشكّل أدبه. ويصير استشهاد السنوار هو تماماً روايته “شوك وقرنفل”. الموت هنا (وفي حالتنا هو الاستشهاد) هو صانع النصّ، هو صانع التلقّي، وهو في المقام الأوّل علّة القراءة وسببها. وإذا ما اعتبرنا السنوار، بمعزلٍ عن كلّ أدواره الأُخرى، “مؤلّفاً”، فإنّ “موته” هنا يُصبح تحصيناً ضدّ الموت نفسه.

موت المؤلّف: حياةٌ أُخرى

ما حاول بارت قوله في أطروحته القصيرة “موت المؤلّف” هو أنّ ابتعاد المؤلّف ليس حدثاً تأريخياً أو فعلاً كتابياً فقط. إنّه يُحوّل النصّ الحديث من أدناه إلى أعلاه (أو أنّ النص ليُصنَع من الآن فصاعداً ويُقرأ بطريقة تجعل المؤلّف غائباً عنه على كل المستويات). إنّنا لَنَعرف الآن أنّ النصّ ليس سطراً من الكلمات يَنتج عنه معنى أُحادي، أو معنى لاهوتي (لرسالة جاءت من قبل الله)، ولكنّ فضاء لأبعاد متعدّدة، تتزاوج فيه كتابات مختلفة وتتنازع، فالنصّ نسيجٌ لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة.

وقد سبقه إلى قول ذلك نقّاد وكتّاب أوروبيون كثر؛ مثل مالارميه الذي دعا إلى ضرورة إحلال اللغة ذاتها محلّ من كان مالكاً لها، فاللغة هي التي تتكلّم وليس المؤلّف. ولابدّ من الإشارة أيضاً إلى جهود بول فاليري الذي كان دائم السخرية من المؤلّف ودائم التأكيد على أنّ اللجوء إلى دواخله خرافة، وأنّه لا بدّ من التركيز على البنية اللغوية لعمل المؤلّف وإقصائه عنها.

ينتهي دور المؤلّف، حسب هذه الأطروحة، بكتابة النصّ، ثمّ يقع العبء على القارئ في عملية القراءة، عبء تعدّدية المعنى واختلافه وتوليده، أو إعادة إنتاج النصّ.

موت المؤلف = مولد المؤلّف

قام شعار المدرسة البنيوية في القرن الماضي، لا سيما في أطروحة موت المؤلّف، على الجملة التالية: “مولد القارئ ينبغي أن يقابله موت المؤلّف”. تصبح هذه المعادلة مستحيلة التحقّق مع السنوار.

أنهى الرجل كتابة روايته وهو في معتقل بئر السبع سنة 2004.

في الأصل، الحُكم النقدي على أدب السجون أو الأسرى هو حكمٌ ملغوم؛ إذ لا يمكن الفصل بين تجربة الأسير (سيّما أن سمّاها “مسلخ غزة”، مثلاً، كما فعل السنوار) وبين أدبه. المادّة الأدبية هنا هي مادّة تسجيلية تأريخية، حجّة تأريخية، توثيق، كلُّ كلمة فيها تأريخ وتأريخ حتى لو كان جزءٌ منها خيالياً.

ثمّة أسرى كثيرون حاولوا القفز عن هويتهم كأسرى والإبقاء على هويتهم كمبدعين. عانى باسم خندقجي مثلاً من هذا الربط طويلاً، واحتجّ عليه. لكنّ خندقجي كاتب في المقام الأوّل، أمّا دور السنوار فمختلف: قائد، مهندس حرب.

الكتابة متّصلة بمشروعه المقاوِم، ولا يمكن أن تنزاح عنه

القفز أو التجاوز لمسألة أنّ المؤلِّف “أسير” شيء نادر، حضر مثلاً في التجارب الروائية لأسامة العيسة، وباسم خندقجي، وإسماعيل رمضان، إذ كتب هؤلاء الثلاثة بما يتجاوز سمات أدب الأسرى. لكنّ نهاية “قناع بلون السماء” لخندقجي تعود فتشير إلى أنّ التجاوز صعب، إذ يجيء في نهايتها: “تمّت، 2021، سجن جلبوع الكولونيالي”.

لم يكن السنوار صاحب مشروع روائي، اكتفى بقول قوله هذا في “الشوك والقرنفل” ولم تعُد إليه. الكتابة، كمشروع هنا، هي شيء متّصل بمشروعه المقاوِم عموماً، ولا يمكن أن ينزاح عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى