التشكيلي منذر علي مؤرشف لحظات الرعب في دكتاتورية القمع الصدامية

يرمم “بغداد” من خلال الذاكرة
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
غالبا ما يستلهم الفن، الكثير من مطمورات الذاكرة التي تتراكم بفعل الأحداث والتجارب التي يمر بها، وهي حاضرة دوما في عملية الإنتاج الفني، بقصد أو من دونه، لان الفنان هو إنسان قبل كل شيء، والذاكرة هي جزء حيوي من إرثه الشخصي والجمعي بلا شك، فتتدخل الذاكرة في عمله، أو هو من يلجأ اليها اثناء ذلك، ولعل من أهم أسباب هروبه من حاضره باتجاه الذاكرة، هو للتخلص من واقع ضاغط يحيا به لأسباب كثيرة قد لا يفصح عنها، أو لأنها أكثر جمالا مما يراه في واقعه المعاش اثناء عملية الخلق الفني، وهذا ما يبدو واضحا في منحوتات الفنان التشكيلي منذر علي، تلك يستلها من ذاكرة تضم شخوصا وأحداثا، تشبعت بها منذ الطفولة.
وقال الناقد رحيم يوسف في قراءة خصَّ بها “المراقب العراقي”: “حاولت وبكل وسيلة الحصول على ذلك التمثال الذي ابدع فيه بشكل مدهش، ولكن دون جدوى، كان اعتزازه به كبيرا جدا، ولم يشأ التفريط به، ولذلك طلب مبلغا عاليا لقاء التخلي عنه، وهو محق بذلك باعتباره المبدع والمالك للعمل، لكن خيبتي كانت كبيرة حين علمت بانه قام بعرضه مع مجموعة أخرى من فنانين في معرض مشترك في لندن، مفترضا بانه سيحصل على مبلغ كبير من بيعه، ليحصل على مبلغ كنت على استعداد لدفع ضعفه لقاء التمثال، وهكذا تعرفت عليه ودخلت الى عالمه الفني، وقد كان العمل الفني المذكور يمثل لحظة عشتها شخصيا وعاشها الجميع أيام دكتاتورية القمع الزائلة، والمنفذ بتعبيرية تحمل الكثير من الترميز، والمشحون بدلالات لا تخفى على أحد مهما كانت درجة وعيه وثقافته العامة أو معرفته الجمالية اثناء التلقي، على اعتبار ان عملية التلقي تفترض معرفة ووعيا جماليا اثناءها”.
وأضاف: ان “العمل النحتي يمثل اربعة اشخاص يقفون بشكل متقارب وهم يشكلون مربعا طويلا باتجاه السماء المفتوحة، وهم يديرون حوارا سريا كما يتضح عند النظر اليه من جميع الزوايا، بينما التفت احدهم الى الوراء خوفا من المتربصين الذين كانوا يشكلون هاجس الخوف لدى الجميع، وهذه الالتفاتة هي التي بينت كل شيء واوحت بما تقدم، هذا العمل النحتي الذي مثل موقف الفنان السياسي الرافض لما يحدث في بلاده من السلطة القامعة، والتي حاولت ان تجير كل شيء لصالح تمجيدها، وتماهى معها الكثيرون، على الرغم من كم الموت المجاني الذي يجتاح البلاد جراء سياسات تلك السلطة الرعناء”.
وأوضح: ان “هذا الموقف هو موقف شجاع يأتي من فنان، يعيش بفنه ولفنه، بعيدا عن الضجيج وهو يعمل في ورشة صغيرة اجتزأها من بيته، ليعمل بها على تجربته الفنية الجمالية، متخذا من مادة الخشب وسيطا في الإنتاج ولم ينجز أعمالا أخرى غير الخشب على حد علمي، سوى بعض الرسومات التي قام بإنجازها في فترات متفاوتة، ومن ثم تفرغ لها نوعا ما في معرضه الثاني الذي عرض فيه رسوماته الى جانب النحت”.
وتابع: “قد لا تختلف المرجعيات الفنية للأستاذ منذر علي، عن مرجعيات مجايليه، تلك المرجعيات التي ساهمت في خبراته الفنية التي تراكمت، وميزت رؤاه الفنية التي تتضح جليا في تجربته التي يواصل العمل عليها منذ سنوات، وهو ينتج أعماله كما ونوعا، فقد تتلمذ على أساطين النحت العراقي الحديث والمعاصر”.
وأكمل: ان “منذر واكب التطورات المتلاحقة في هذا الفن منذ سنوات طوال عبر مزاملته أو مجايلته للكثير من هؤلاء الاساتذة الافذاذ الذين تركوا بصماتهم الكبيرة عبر أعمالهم التي بقيت شاهدة على تفوقهم وخالدة في الإرث الجمعي للنحت العراقي، وقد ترك البعض منهم تأثيرات واضحة في العديد من أعماله التي انجزها ببراعة، وتمكن شيئا فشيئا من الخروج من تلك التأثيرات، باتجاه أسلوب يشير اليه دون لبس، لدى المتلقي المتابع للمشهد التشكيلي العراقي المعاصر”.



