اخر الأخبارثقافية

فم مغلق

محمد جبر حسن

انزوى لوحده مبتعداً عن الجميع الذين لم يسمعوا يوماً كلامه، كلما أراد قول رأيه في أمر ما، تنهال عليه الاعتراضات وكلمات الممانعة، تارة من أبيه، وتارة أُخرى من أُمّه وحتى أُخوته..

أُسكت.. كلامك ليس هذا وقته.. أُسكت كلامك ليس في محله.. أُسكت هذا مخالف لعاداتنا وديننا.

عندما اشتد عوده، صار يسمع كلمة أُسكت بطريقة أُخرى.. أُسكت لكي لا يزعل منك الآخرون..

أُسكت لا تتكلم حتى لا يأخذك زوار الفجر ويأخذونا معك..

احتفظ بحروفه مرغماً تحت لسانه وامتلأ بها صدره، كلما همَّ ان يخرج بعضاً منها، تتراءى له كلمة (أُسكت) كبيرة تغطي الفضاء الذي أمامه فيسكت لئلا يلاقي ما أخافوه منه.

لازمه خجل من الكلام مع الآخرين مشوب بخوف يتخفى تحت ظلال عينيه، يرتعب من كل كلمة يريد أن يقولها، أخذ بالابتعاد عن أقرب الناس إليه.

بين الحين والآخر، يستمع لجدالٍ ما بين نفسه وما يسمعه من والديه وأُخوته، جدال عَلقَ في سقفِ فضاء غرفته فينظرُ الى الأعلى.. يضع يده قرب فمه.. عليه أن يقول.. يتكلم.. عليه أن لا يبقى ساكتاً مثلما يريدون..

ها هو في ملاذهِ الذي شهد دموعه وحزنه وسمع آهاته، ملاذ ليس له غيره، قرر أن يضع حدّاً لكل ذلك، أغلقَ الباب وأسدلَ الستارة.. التفت يميناً وشمالاً، استجمع قواه ووقف أمام الجدار، بوجلٍ شديد، حاول ان يفتح فمه، لينطق كلمات محبوسة في جوفه، فتذكّر قول والده: (بُني إن للحيطان آذاناً)، توقف ونظرَ الى حافتي الجدار مرعوباً دون أن ينطق كلمة.. بعد سنوات وجدوا اسمه في سجلات احدى الدوائر الأمنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى