اراء

هل اقتربت فرصة استعادة الجولان؟

بقلم: سفيان بن مصطفى بن حسين..

إن المبالغة بالتخويف من قوة خصوم الحق هي من أعظم أسباب الوهن والاستسلام، وإن عظماء التأريخ هم أولئك الذين أجادوا إغتنام رياحهم لحظة هبوبها، ويبدو أن سوريا التي طالما مثلت شريان الحياة لحركات المقاومة العربية في لبنان وفلسطين قد ارتأت اليوم النأي بنفسها عن المنازلة الكبرى التي تقودها حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن منذ السابع من أكتوبر، ما أصطلح على تسميته بالحياد الإيجابي قد يبدو للوهلة الأولى خيارَ من لا خيار له، فسوريا التي تكالب عليها تحالف الإمبريالية والرجعية العربية منذ أكثر من عقد من الزمن لم تستعد وحدتها وعافيتها ولا تزال بعض أراضيها كالحسكة والرقة خارج سيطرة الدولة، وللجماعات المسلحة نشاط في إدلب وبعض النقاط الحدودية مع العراق كالبوكمال، وإن أضفنا الوجود الأمريكي المتنامي داخل الدولة ومساهمته في تسليح ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية المنبثقة عن وحدات حماية الشعب الكردي فلن يتبقى لدمشق سوى ثلثي مساحة الدولة.

هذه الصورة المترعة شكًّا وكآبة تزداد قتامة إذا ما أضفنا إليها خريطة نفوذ الروس، فلا غرو أن الجيش العربي السوري المدين بصموده لهذا التحالف بحاجة اليوم إلى ضوء أخضر روسي قبل كل حراك عسكري قد يقلب خريطة النفوذ لصالح هذا الطرف أو ذاك، ولروسيا دور محوري في ترجيح كفة الدولة السورية في مواجهة الجماعات المسلحة، ويبدو أن هذا الدور قد مكنها من المشاركة في صنع قرار السلم والحرب.

للروس ملفات متشابكة تنعكس وجوبا على الواقع السوري، ولعل موسكو التي لم تحسم معركتها مع دمية الناتو في أوكرانيا  تسعى للحفاظ على مكاسب حليفها في الساحة السورية دون السماح بفتح جبهات جديدة قد لا يمكن التكهن بنتائجها، ويبدو أن قرار السلم والحرب لم يعد قرارا سوريا خالصا بقدر ما بات مرتبطا بقرار حلف دمشق الذي تتزعمه روسيا ويضم إيران وفصائل مقاومة من العراق. سنجافي المنطق إن قلنا إن تجليات الواقع ترجح كفة سوريا في مواجهة الكيان السرطاني وحلفائه من العرب لكن الوهن السوري يقابله وهن صهيوني غير مسبوق في عمر هذا الكيان الطارئ على الأمة والمثخن بجراح السابع من أكتوبر المجيد، سوريا الدولة لم تعد قوية موحدة متماسكة وفي المقابل يبدو المحتل أكثر وهنا وتشتتا وارتباكا إثر الصمود الأسطوري للمجاهدين في غزة والضفة وإثر صولات فرسان اليمن ولبنان، ومع الاشتعال المتزامن لجبهات الشمال والجنوب بدا الجيش الصهيوني مستنزفا فاقدا لقوة الردع التي طالما روج لها الإعلام العربي قبل العبري، لم يعد الكيان قادرا اليوم على الحسم السريع لمعاركه رغم الجسر الجوي الأمريكي ورغم الجسر البري العربي.

سوريا ليست بأعلى جهوزيتها القتالية لا عسكريا ولا إجتماعيا، لكن لحظة الوهن التي أصابت جسد الكيان قد لا تتكرر، وعلى القيادة السورية أن تحسن قراءة المشهد وتدرك أن الطريق لاستعادة السيادة لا يأتي إلا من ضرب رأس الأفعى مباشرة لا ذيلها، والامبروسيا السورية (وفقا للميثولوجيا اليونانية) لا تأتي إلا من تحرير أولى الأراضي المفقودة، تحرير الحسكة والرقة سيكون نتيجة حتمية لتحرير الجولان من العدو الأشد خطرا، والحرب متعددة الجبهات التي يخوضها الكيان ببركة السابع من أكتوبر هي فرصة قد لا يكررها الزمن رغم ما ذكرناه آنفا من تحديات تواجه القيادة السورية، فلا جيش الكيان بكامل عتاده وقد ابتلعت رمال غزة معظمه ولا بإمكانه الإستفراد بالجبهة السورية وقد استنزف حزب الله عديده.

لا يبدو أن القيادة السورية في وارد الاستعداد لخوض معركة التحرير في الوقت الراهن، ونجزم أن ضياع هذه الفرصة التي أهداها السنوار لمحور المقاومة قد يطيل عمر الاحتلال، فبعض المعارك يجب أن لا تخضع لمنطق الربح والخسارة، وإنما لإختيار اللحظة الحاسمة للضرب بقوة، ونعتقد أن سياسة الإنكفاء عن الذات في اللحظات الحاسمة لن تضر فقط بمبدأ وحدة المصير بين مكونات محور المقاومة بل ستزيد من حالة التشرذم بين مكونات الوطن السوري، ولنا في اليمن الحبيب خير مثال، وهو الذي أصر على مقارعة أباطرة الكون وتجريعهم السم الزعاف برا وبحرا دون خوف أو وجل نصرة لغزة وإيمانا منه بقدسية القضية التي ندب نفسه لخدمتها، وإدراكا منه لواقع أن الأمريكان ليسوا بوارد القتال البري بعد ما تعرضوا له على مدى عقد أو يزيد من سحل على يد أبطال العراق العظيم، كأن لسان حال ساكن البيت الأبيض يقول ما قاله الملك اليوناني بيروس بعد انتصاره على روما وخسارته لمعظم قواته -إلهي لا تحقق لي المزيد من الانتصارات.. فالانتصار بلا ثمن لم يكن انتصارا على الإطلاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى