اخر الأخباراوراق المراقب

التربية والتعليم في سيرة النبي الأكرم “ص” وابنه الإمام الصادق “ع”

محمد علي جواد تقي..

طالما نشكو الفجوة بين التربية والتعليم ومآلاتها على الحاضر والمستقبل، ثم البحث عن سبل ردم هذه الفجوة، ليكون لدينا خريجو جامعات يحملون العلم مصحوباً بالأخلاق والآداب والقيم الانسانية، ويكاد الواحد منّا يشعر باليأس من تحقيق هذا الأمل، بيد أن التفاتة بسيطة الى سيرة النبي الأكرم، وابنه الإمام الصادق “صلوات الله عليهما”، ونحن نعيش هذه الأيام، ذكرى مولدهما السعيد، تعطينا شعوراً مغايراً، نتأمل من خلاله الخلاص من آثار هذه الفجوة على علاقاتنا الاجتماعية.

ما يمكننا استلهامه من هذه الذكرى العطرة؛ الاهتمام المشترك للنبي الأكرم والامام الصادق بمسألتين أساسيتين في البناء الحضاري هما؛ التربية والتعليم، مع الفارق أن في عهد النبي الأكرم كان التأسيس، وفي عهد الامام الصادق شهد التطبيق العملي على نطاق أوسع في جسم المجتمع الاسلامي الكبير.

التأسيس للعلم والأخلاق

صحيح أن علم رسول الله، والأئمة المعصومين، ليس اكتسابياً بقدر ما هو “لدنيّاً”، أي هو النور الذي يقذفه الله تعالى مباشرة في قلوبهم، فيودعهم علم ما كان وما يكون الى قيام الساعة، بيد أن النبي الأكرم في بدايات تشييده المجتمع الإسلامي، حثّ على التعلّم واكتساب العلم والمعرفة، ونحن نقرأ أحاديث مشهورة له، “صلى الله عليه وآله”، شأنها أن تكتب بماء الذهب وتعلق على أبواب المدارس والجامعات: “أطلب العلم من المهد الى اللحد”، ثم يوجه حديثه المباشر الى المسلمين كافة: “طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”، ليغلق الباب الى الأبد بوجه كل محتكري العلم والمعرفة، وأصحاب الفهم الخاطئ ممن يرون العلم للميسورين مادياً أو للرجال دون النساء أو يحددوه بعمر معين.

أما عن الأخلاق، فما عسانا ذكره من واحة عطرة على مدّ البصر، إنما نقتطف العفو من جملة خصاله وصفاته، وفي ظروف طالما نعيشها في حياتنا اليومية.

فقد روي، أن النبي الأكرم كان جالساً ذات يوم مع أصحابه، وعليه بُرد غليظ الحاشية (أعلى القميص عند الرقبة)، فجذبه أعرابي بشدّة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا مال أبيك، فسكت النبي ثم قال: المال مال الله، وأنا عبده، ثم قال، “صلى الله عليه وآله”: ويُقادّ منك يا أعرابي ما فعلت بي؟ قال: لا، قال النبي: لِمَ؟ قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك النبي، وأمر ان يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر.

هذه الرواية تحتاج وقفة تأمّل ودراسة بعد تفكيك الجمل الواردة فيها، لنأخذ دروساً عدّة في الحِلم، والعفو عند المقدرة، والتواضع، وتفهّم طبيعة ومزاج الطرف الآخر بغية إيصال الرسالة الصحيحة اليه، يكفي أن نتصور حصول هذا المشهد اليوم مع أبسط انسان كيف تكون ردة الفعل؟!.

الرسالة للعالم الإسلامي الكبير

إذا كانت رسالة العلم والأخلاق في عهد الرسول الأكرم محصورة في حدود المدينة ومجتمعها الصغير في بداية الدعوة، فأنها في عهد الامام الصادق أمام مجتمع اسلامي كبير يعيش في بلاد مترامية الأطراف بين شرق الأرض وغربها، فقد تعددت الأمزجة والطباع والنفوس بعد دخول عشرات الآلاف الى الإسلام من شتى الاعراق والقوميات، مما يجعل مهمة التربية والتعليم صعبة للغاية.

وما عقّد الظروف الاجتماعية والسياسية في عهد الإمام الصادق، حاجة الناس الى التهذيب والتقويم الأخلاقي، كما حاجتهم في الوقت نفسه الى المعين الصافي للعلم والمعرفة في وقت تزاحمت على الأمة روافد من المعارف الرومية واليونانية بعد نشاط حركة الترجمة للكتب الفلسفية التي وجدها البعض من المحسوبين على “علماء الدين” آنذاك بأن يتخذوها بديلاً للقرآن الكريم وسيرة النبي ورواياته وسيرته لصياغة عقيدة الانسان المسلم.

لذا كان عهد الامام الصادق هو الانطلاقة لشخصية العالم العارف، وفي نفس الوقت المتحلّي بالصدق والأمانة والورع والتقوى، فيكون لدينا العالم الخلوق القادر على إدارة شؤون الأمة في ضوء العلوم والمعارف الإسلامية، فكان “عليه السلام” يحرص دائماً على تكريس ثقافة “أدب جعفر” في نفوس تلامذته والمقربين منه، ليكونوا النموذج الناصع لثقافة أهل بيت رسول الله بين سائر المسلمين ممن هم على غير مذهب الإمام الصادق، فقد كان عامة المسلمين في عهد الأئمة المعصومين على دين الحكام وما يصدر من وعاظ السلاطين وفقهاء البلاط فقط، وكان يقول: “ان الرجل إذا ورع في دينه وصدق الحديث، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: “هذا جعفري” فيسرني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل “هذا أدب جعفر”.

وليس دقيقاً القول، أن الامام الصادق كانت مفروشة له الأرض بالورود لإقامة الدروس العلمية وتأسيس ما نسميه اليوم بالجامعة، إنما كان يواجه تحديات جمّة في هذا الطريق، ليس أخطرها؛ الحقد الأسود للمنصور الدوانيقي عليه، ومحاولة قتله مرات عدة، وربما كانت الفترة التي سبقت المنصور، وفي بدايات حكم العباسيين ثمة فسحة زمنية كانوا فيها منشغلين بمطاردة فلول الأمويين للتخلص منهم ومن احتمالات الانتقام، بيد أن المنصور كان مشدداً الحصار والحظر على الإمام الصادق في أن يلتقي بشيعته وتلامذته، الى درجة أن بات الشيعة مُجبرين على اعتزال النساء ممن له مسألة شرعية في النكاح أو الطلاق بسبب انقطاع الاتصال بالإمام الصادق “عليه السلام”.

ومن سمع بقصة ذلك الرجل الذي سرق رغيفين من الخبز، ورمانتين ثم تصدق بهما الى فقير، فهو لم يكن رجلاً عادياً جاهلاً، إنما كان من دعاة العلم ممن وصفه الإمام الصادق نفسه في رواية ينقلها السيد القزويني في كتابه بأنه “اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجلٍ سمعت غُثاء الناس (السطحيون والساذجون) تعظمه وتصفه”، وعندما تبعه الامام وانفرد به ليسأله عما فعله، لم يتورع عن التطاول على الإمام بمجادلته متخذاً آيات القرآن الكريم وسيلة لتبرير عمله، وأن {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا}، فردّ عليه الامام بأن القرآن الكريم يقول: {إنّما يتقبّل اللهُ مِنَ المُتّقين}، فلم ينفع معه، فتركه الإمام ومضى عنه.

وثمة علماء كُثر في عهد الامام الصادق استأنسوا برأيهم الخاص، مستجيبين لرغباتهم النفسية بحب التألق وكسب الشهرة، حتى إن تطلب الأمر التخلّي عن القرآن الكريم وعن سيرة النبي الأكرم، فأسسوا لأنفسهم ولطائفة من المسلمين شريعة وأحكاماً خاصة تخالف في كثير منها الشريعة التي أتى بها رسول الله، حتى أنه، “عليه السلام”، حاجج أحدهم بالآية القرآنية فكانت المفاجأة قوله: “يبدو إني لم أقرأها من قبل”.

لم يكن للإمام الصادق “عليه السلام”، مكاناً مخصصاً لنشر علوم الدين وعلوم الحياة، بلى؛ ربما كان لفترة من الزمن الى جوار ضريح جدّه المصطفى، أو في الكوفة، بيد أن الحكام الطغاة لم يكونوا ليسمحوا له بالاستمرار في هذا الضخ والعطاء، لربما لو استمر الأمر لفترة طويلة من الزمن لكان التراث أعظم وأكبر بكثير مما لدينا اليوم من الروايات والعلوم.

هكذا كانت مدرسة الإمام الصادق “عليه السلام” العلمية والأخلاقية، ليكون للأمة علماء ناجحون في مجتمعاتهم، يرجع إليهم الناس في مشاكلهم، وايضاً في استفهاماتهم العديدة حول مختلف شؤون الحياة، فيجيبون بكل ثقة واحترام، وإذا نجد اليوم الخزين الهائل من الروايات الشريفة، والمؤلفات العظيمة في علوم الدين من عباقرة الفقه في تاريخنا المعاصر والقديم، فانه امتداد لأولئك العباقرة المتعلمين في مدرسة الإمام الصادق “عليه السلام”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى