اراء

هل أقدمت استخبارات العدو على تصفية قائد وحدتها 8200؟

بقلم: العميد محمد الحسيني..

في هدوئها القاتل الذي تترنح فيه بين الشك واليقين، وبصمتها المطبق الذي تبحث فيه عن البُهتان لتغيير المصير، ووسط سكون لا يقطعه سوى أنفاس المتجسسين، تترصد الوحدة 8200 الإشارات الإلكترونية لتفكيكها وتحليلها، وتتنصت بجرأة مفرطة على الحوارات والدردشات التي تجول في الفضاء العربي من محيطه إلى خليجه، إضافة إلى جمهوريات إيران وباكستان وأفغانستان، وإن كان جهدها الرئيسي اليوم باتجاه محور المقاومة، حيث تحاول التسلل إلى كاميراتهم إنْ في الشوارع أو في المنازل أو في المؤسسات لالتقاط الصور والأحداث التي تعجز عن الوصول إليها بواسطة الطائرات المسيّرة أو الأقمار الإصطناعية، فضلاً عن قرصنتها للأجهزة الذكية من الخلوي ومشتقاته، وصولاً إلى الساعات والألعاب الإلكترونية، فالتلفزة والراوترات والحواسيب الشخصية والرسمية بمختلف أنواعها… هذا وفي اعتمادها على الوسائل التقنية المتطورة تستطيع التشويش على الاتصالات، عبر تغيير أو تعديل أو تعطيل الرسائل الإلكترونية (أو الإشارةSignal)، عند انتقالها بين المصدر والمتلقي، عدا عن ادخال إشارات غير مرغوب فيها إلى إشارات محددة

هذه الوحدة التي يعتبرها العدو فخر استخباراته، حيث يتباهى بها عند كل إنجاز أمني، حتى أنه لم يتوانَ من استعراض بعض من بطولاتها ضمن حلقات مسلسله التلفزيوني العبري “FAUDA”، إلى أن غدت مثار جدل بين ذوي الخبرة والاختصاص حول مهامها وأسلوب عملها وإنجازاتها. حتى جاءت انتكاساتها الأمنية الأخيرة، لتُضيء على مسيرتها المهنية الطويلة، لا سيما إخفاقاتها في عدة مفاصل تأريخية، بعد أن انعكست فشلاً على مستوى الكيان وأجهزته الأمنية، أمّا أبرز هذه الإخفاقات فهي:

عدم تدارك الوحدة 8200 لعملية ميونخ التي حدثت أثناء دورة الأولمبياد الصيفية المقامة في ألمانيا من 5 إلى 6 ايلول سنة 1972، والتي نفذتها منظمة أيلول الأسود، حين احتجزت رياضيين صهاينة، وكان مطلبها الإفراج عن 236 معتقلاً في سجون الإحتلال معظمهم من العرب بالإضافة إلى كوزو أوكاموتو من الجيش الأحمر الياباني. انتهت العملية بمقتل 11 صهيونياً وخمسة من منفذي العملية.

فشل الوحدة 8200 في رصد التخطيط المصري- السوري المشترك لمعركة أكتوبر 1973 التحريرية للأراضي العربية في سيناء والجولان، حين فاجأ الجيش العربي المصري العدو الصهيوني في سيناء بعبوره قناة السويس ونجاحه بالوصول إلى الضفة الشرقية منها، وكذلك الجيش العربي السوري في هجومه المباغت على الجولان السوري المحتل.

فشلها مع بقية أجهزة الأمن في استباق التفجير الضخم لمبنى الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية (آميا). الذي وقع في بوينس آيرس في 18 تموز 1994، وأسفر عن مقتل 85 صهيونياً وإصابة المئات بجروح.

فشلها في رصد تحركات المقاومة الاسلامية على امتداد الحدود مع فلسطين المحتلة يوم 12 يوليو 2006، حين تجاوز المقاومون الشريط الحدودي واحتجزوا جنودا صهاينة، ليُستكمل الفشل خلال عملية التبادل لاحقاً، حيث بَانَ إخفاق الوحدة 8200 في الوصول إلى معلومات مسبقة تحدد مصير الأسيرين.

الفشل الاستخباراتي الذريع الذي مُنيت به الوحدة 8200 مع اندلاع عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر الماضي، حيث وجّهت انتقادات لكيفية تعاملها مع هجمات المقاومة الفلسطينية، بعدما تم توصيف المسؤولين الصهاينة لهذا الفشل بأنه “ليس مجرد خطأ فردي بل خلل نظامي، وهي مشكلة متجذرة في القرارات التي تم اتخاذها قبل فترة طويلة، وبأن المساءلة يجب أن لا تطال قائد الوحدة فحسب، بل يجب أن تمتد إلى أبعد من ذلك، إلى تغييرات منهجية داخل الوحدة لمنع الإخفاقات في المستقبل”.

فشل الوحدة 8200 في تحديد الأهداف المرتقبة لرّد المقاومة الإسلامية على استهداف العدو لضاحية بيروت الجنوبية، حين فاجأها حزب الله في عقر دارها في25 آب المنصرم، بعد أن وصلتها المسيرات الانقضاضية، وألحقت بها خسائر كبيرة ما أفقد هذه الوحدة القدرة على القيام بمهمات مضمونة النجاح، وانعكس هذا الأمر تراجعاً في عمليات الإغتيال التي ينفذونها ضد المقاومين في لبنان، وسط تباين في المعلومات حول مقتل قائدها، تزامناً مع تسريبات إعلاميه عبرية عن توجهه للاستقالة. في مؤشر يحمل عدة علامات استفهام.

 وبما أنه لا مجال للخطأ أو التهاون والإهمال في العمل الاستخباراتي، وبالأخص حينما ينتج عنه خطر يهدد الأمن القومي للبلد، عندها لا بد من أن يتحمل تبعات هذا الخطأ قادة الأجهزة الاستخباراتية إن لم تكن المنظومة الأمنية برمتها، فكيف إذا كان الخطأ صادراً عن الوحدة 8200 رأس حربة الاستخبارات الصهيونية؟ التي يتغنى العدو بإنجازاتها عند كل مفصل أمني أو عسكري، وبقائدها العصي على أن يُعرف، وكيف حين يفضح نفسه بنفسه وينكشف اسمه للعلن؟ وأيضاً كيف حين يُتهم قائدها من قبل عدد من المسؤولين بالتهاون في عدم الاستثمار الفوري لمعلومات خطيرة؟ حينها فقط وعندما يصل الفشل الأمني إلى ذروته يصبح للإخفاق مذاق العلقم في فم قائد الوحدة، إن لم يكن سماً يُنهي حياته.

من هنا لا بد من الربط بين أمرين يتكتم عنهما العدو تكتماً شديداً، أولهما في التسريبات الإعلامية بُعيد ردّ حزب الله الأخير حول مصير قائد الوحدة 8200 ومهندس استراتيجية الذكاء الاصطناعي المدعو “يوسي سارييل”، سواء قتلاً أم اعتزالاً، وثانيهما في الثغرتين الأمنيتين اللتين خلّفهما هذا الرجل، الأولى في اتهامه المباشر بالتقصير والإهمال لما جرى يوم 7 أكتوبر، نتيجة منهجية العمل الذي يتبعها في إدارة الوحدة، مما نجم عنها إخفاقات يتحمل وحده مسؤولياتها، والثانية في خرقه للبروتوكول الأمني الصارم بحقه، حول ضرورة إخفاء شخصيته، فهوية قائد الوحدة سرٌ يخضع لحراسة مشددة. لكن غروره المهني الذي عبّر عنه في كتاب حرّره في العام 2021، تحت اسم مستعار، أدى إلى كشف هويته الحقيقية عبر الإنترنت، وذلك بعد ستة أشهر من طوفان الأقصى.

ليبقى السؤال ما هو مصير “يوسي”؟… فإن كان حزب الله قد استطاع اغتياله بالمسيّرات، فلماذا لم يُعلن عن هذا النصر المبين؟ خاصة أن المسيّرات قد سجلت واقعة تدمير الهدف… ومكمن الجواب في أن ”يوسي” لم يُقتل بنيران المقاومة، في وقت يأبى الإعلام الحربي استغلال ظروف اختفائه بالإعلان زوراً عن صيد ثمين للمقاومة.. ما يفتح المجال للشك بأن تكون الاستخبارات الصهيونية قد اعتمدت على حل واحد من إثنين، إما أن تكون قد أقدمت على تصفيته “معنوياً” من خلال منحه هوية أخرى في مكان سري ضمن برنامج لحمايته، بعد سلسلة من الهفوات المميتة التي وقع فيها، لا سيما أن نرجسيته في حب الظهور واضحة تماماً.. أم أنها قد أقدمت خلال شهر نيسان الماضي على تصفية قائد وحدتها 8200 “يوسي سارييل” جسدياً، لتدفن معه كل الأسرار التي يخزنها والتي كان ينوي إصدارها في كتابه الثاني لحظة اعتزاله.. وبهذا تكون الاستخبارات العسكرية الصهيونية قد استغلت يوم 25 آب الماضي تأريخ قصف المقاومة لمبنى الوحدة 8200 في جاليلوت لتُسرّب خبر فقدان قائد الوحدة 8200، فتعود لتُسرّب خبراً ثانياً عن قرب اعتزاله لمهامه.. بعد أن دفعت بمسؤولين صهاينة إلى سَوق اتهامات ضده، إلى حد أن القائد السابق للوحدة 8200 قد وصف ما حدث بالجريمة التي يجب أن يُحاسب عليها “يوسي”… أمّا كيف؟ فهذا يبقى رهن الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى