اخر الأخبارثقافية

لوحات حسن حداد.. رمزية الوجود الإنساني الهش في العالم

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

لم يشأ حسن حداد تسمية أعمال معرضه الحالي في إطار عنونةٍ كبرى تضعها جميعا على عتبة تعريف أوّلي موجِّه؛ فالعنوان الذي اختاره- تجارب وآفاق- يُمثّل احتراساً من عواقب التسمية والتحديد والتأطير على موضوعه المقلق وتعبيره المتّسم بالغموض. وأن تكون أعمال الفنان محض تجارب، فهذا يعني أنها تعيش في احتمالٍ إنشائيٍّ مؤقت لمفرداتها التعبيرية.

وهو احتمال مفتوح على أفق  تحولات مفترضة قادمة تُديم حيوية تلك الأعمال. يبدو أن حسن حداد حريص على وضع تعبيره في اختبارات شكلية متلاحقة تبقى معها معالجاته موضوعه وسطحه التصويري في حال من الإرجاء والاستئناف والتنازع الدينامي الذي ينقل الصورة تقنياً من مستوى ما إلى آخر تعزيزاً لطابعها الجدلي.

 تتقاسم مطالبُ التعبير وأهواء الرسم التأثيرَ المجازي لموضوع الفنان وهو يتكيّف ويحقق استجاباته شكليّاً في آخر المطاف وذلك شرطه الحيوي الفعّال… الشّعريّ، طاقةً وإنشاءً، نافذ ومهيمن على سطح متكتّم يعمُّهُ الغموض، وتنهض فاعليته على ذخيرة من التلميحات والإيحاءات الخافتة في محيط من العماء. مفردة واحدة، أو مفردتان تختزلان التعبير وتُضيئانه على سطحه العتيم في محاولة لمراوغة الموضوع والإفلات من حدوده بدفع مفرداته بعيدا عن القصد التعبيري المستهدف كي تتحرّر لإطلاق قواها الشكلية بمرونة عالية… إننا نواجه فيضاً شعورياً تحكمه الصياغة الواعية وتُعقلنُهُ في شكلٍ مُصمّم محكم، مدروس… يبدو الوجود، هنا، بالغ الهشاشة، وعلى حافة التّدمير الذاتي لمفرداته.

 وهناك ذاتٌ أنفقت الكثير من الوقت والطاقات من أجل أن تصل، لكنها لن تصل! كل سطح يثير قلقنا في أي تماسٍّ لنا معه، ولن نبلغ شيئاً إلا بوسيطٍ من التكهّنات والترجيحات التي لا تستبعد احتمالا.

لا يمكنك إزاء أعمال حسن حداد إلا أن تتسلح ببعض المعرفة والخيال ومعرفة تقنيات العمل الفني، وذلك لأن لوحاته تشبه قصائد غامضة ومحمَّلة بشِعرية عالية وخيال واسع، وبهذا تكون بعيدة المنال عن كل مشاهد سهل ويتنقل بسرعة وغير معرفة أمام اللوحات.  هكذا علينا أن نتجلد بعض الشيء ونحن ننظر الى هذا العالم الذي صنعته فرشاة هذا الفنان المتمرس وصاحب التجربة الطويلة في الرسم.

حين ينظر حسن حداد الى العالم الخارجي ويتأمله ويتعايش معه، فهو لم يتوقف عند هذا الحد، بل يٌيد رسمه بطريقة جديدة ومختلفة ودون محاكاة، ويقدم أعماله المتقنة وحلوله الجمالية.

حين نتمعن في لوحات حسن حداد ونتنقل بين مفرداتها الرمزية، نتحسس رهافة الرسم، كذلك الانسجام الغريب بين المفردات التي تبدو لنا متباعدة وغير متجانسة في الواقع، لكن هذا الفنان وبحساسية عالية جعلها منسجمة ومتآلفة بطريقة فريدة. وهنا تصبح المعالجات سيدة الموقف وهي التي تقول كل شيء، وهذا في الحقيقة هو فحوى الرسم وغايته أيضاً، فالموضوعات بشكل عام موجودة على أرصفة الطرقات، لكن كيف نرسم هذه الموضوعات وكيف نتناولها بطريقة فريدة؟ كيف نمنحها طابعاً شخصياً؟ وكيف نـقدمها من خلال زاويتنا الذاتية ونجعلها مؤثرة؟

كي نتعرف على لوحات حسن حداد بشكل مناسب، علينا أن ننتبه الى الرموز والمفردات التي رسمها. ففي إحدى اللوحات نرى شخصاً وحيداً يجلس في زورق وسط بحر موحش، فيما يهتز ذات الزورق في لوحة أخرى وكأن الشخص على وشك أن يلقي نفسه في الماء، وفي واحدة أخرى يرمي ذات الشخص شباكه الواسعة نحو الماء، فتغطي الشِباك وجه هذا الشخص وتُلغيه، بل تكاد هذه الشباك أن تُغطي كل اللوحة. تُرى هل هي مراكب الموت التي أبحر بها الكثيرون نحو شمال العالم؟ أم هي الوحدة التي كانت قدر الكثير من المغتربين؟ نتأمل اللوحات أكثر، فنرى أن الشخصيات التي رسمها حداد تقترب من هيأته كثيراً، نعم هناك إشارة للرسام في أكثر من موقع، حيث نرى بقايا ملامحه وشيئا من تفاصيله التي استقرت على قماشات الرسم. وبذلك جعل حسن حداد لوحاته مثلَ كتاب مذكرات تغفو فيه أيامه.

نتأمل لوحات حسن حداد أكثر، فنصبح كأننا جزءٌ من هذه اللوحات ونعيش بين تصميماتها المتقنة وتكويناتها الأنيقة وفضاءاتها الغامضة، ونُبحر وسط التوازن المدهش بين العناصر. ، قدم لنا حداد أعمالاً مبهرة وتحمل الكثير من الرمزية، حيث يكون فضاء اللوحات المفتوح مثل نافذة، أو الموحش مثل حُلم بعيد المنال، هو الأساس الذي بنى عليه حداد عالمه المثير .

كلما تابعنا أعمال حسن حداد وأطلنا النظر الى مفرداتها، تبدو لنا الشخصيات المبهمة التي يرسمها، كأنها قد نجت من محن كثيرة أحاطت بها، شخصيات خرجت من أزماتها بأشكال ووجوه متعبة وغامضة ودون ملامح واضحة. هكذا ترك الزمن بصماته واستبدل ملامح الناس بأشكال مموهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى