مسلسل ” الجنة والنار ” ..علامة فارقة في تأريخ الإنتاج التلفزيوني العراقي

المراقب العراقي/ د. أحمد جبار…
الكتابة الإخراجية في مسلسل ” الجنة والنار ” تهشم صندوق أعراف التركيب الجمالي لسردية المسلسل العراقي ، وتنزاح بعيداً عن معيارها معانقة حرية الإبداع تحت القيود الراديكالية التي صاغها صناع أفلام الدوغما 95 الدنماركية .
مخرج / مؤلف العمل مصطفى الركابي يختار بقصدية واعية أن يلفت الانتباه لتمثيله الجمالي للحدث بمعالجة إخراجية تراهن على واقعيته المفرطة التي تصل حد الطبيعية عبر الإمعان بالتفاصيل المملة للحدث و تجسيد المتخيل بواقعيته السحرية في بيئة تتخذ من مدينة الناصرية و تخومها فضاءً روائياً ، و بإدارة فنية تنأى بذاتها عن التزييف والاصطناع .
مشاهد المسلسل كأنها مرتجلة كتبت بالكاميرا أثناء فعل التصوير استطاع صُناعها إيهامنا بغياب صنعتهم الفنية في تفعيل وسائل التعبير السينمائية لمحاكاة شكل الإخراج الفطري في أفلام الهواة التي تبدو وكأنها بلا سيرة معرفية بأعراف السرد الفيلمي .
إذ يبدو المشهد وكأنه غير محسوب بنائياً ، لايبدأ بنقطة هجوم مخطط لها مسبقاً ، ولا يمكن أن نتنبأ باللحظة المونتاجية التي سينتهي بها ، إذ يتجلى بتكنيك لا يطابق حركة الانتباه الطبيعية لكونه يراهن على يقظة المتفرج وصبره الذي يهزه أبداً القطع القافز و الانتقال المونتاجي من دون تغيير بحجم وزاوية التصوير معترفاً بحذف أجزاء من زمن ملاحظته الطويلة للقطة لتحول في الحدث لايمكن التنبؤ به كأننا إزاء مشهد وثائقي نشارك بنشاطنا الإدراكي مع السارد ( الكاميرا ) برصد أفعال شخصياته دون أن نتدخل في مسرحتها ، فلا خيار إلا متابعة المراقبة بأمل أن يحدث شيء وسط هذه الأزمنة التي تبدو ميتة تستحق الحذف والتكثيف لكنها تؤسس بوعي ما سنراه لاحقاً .
آلية عمل النشاط الإدراكي للكاميرا بوصفها سارد حر لا يعبأ أبداً بقواعد المونتاج ، يلاحق استمرارية الحدث ، و يتحرك بكل عفوية ، و كأنه أحد الشهود غير المنظورين يتحرك بإرباك بدورات طويلة وبمونتاج داخلي يحافظ على وحدة زمان ومكان بهدف مطابقة الزمن الواقعي و ملاحقة الشخصيات ليس إلا ورصد انفعالها النفسي ، أو تتموضع الكامرا بثبات بملاحظات طويلة تصل حد اللقطة- المشهد وبتكوين واقعي يخفي حساسيته الجمالية و حرفته الفنية في تنظيم كادراج الصورة ، و كادراج الصوت الذي تذوب الحدود بين عناصره فالحوارات الطويلة تتداخل معها المؤثرات الصوتية في أحيان كثيرة وكأنه يتقصد تعميتنا عن فهم حوارات بعض المشاهد لكونه يؤجل تعبيرتها في مشاهد لاحقة ، إضافة الى التكرار في الحوارت ، و إطلاق الشتائم ، و الحلف بآل بيت رسول الله ، و الصراخ الحاد ، و ينجح في تقديم لهجة أهالي محافظة ذي قار بدقة تحافظ على هويتهم الثقافية لم نشهدها في مسلسل علاقي .
اللعب الأدائي للممثلين جاء بمصداقية عالية جداً ، و كأننا أمام وثيقة لحدث رصدته كاميرا أجاد المصور إخفاءها مثلما أجاد مخرج العمل إدارة ممثليه بتركيز ووعي عالِ جداً بفن إخفاء التمثيل في تركيبة اشترك فيها الممثل المحترف أمير عبد الحسين محطماً صورته النمطية كممثل كوميدي ، مع من يقف أمام الكاميرا لأول مرة ، حتى الكاركتر الذي ظهر فيه الفنان سنان العزاوي لم يعتمد الماكياج إلا في حدوده غير المنظورة .
في النهاية أنا كمشاهد غير منحاز للعمل ولكني تذوقته لكوني دارس لأساليب واتجاهات سينمائية سعى صناع المسلسل لتوظيف شفراتها برؤية إبداعية فيها جرأة قد نتفق مع هجنتها أو نختلف مع إيقاعها و طقسها الكابي ، وخرقها لمعيار الجماليات التي اعتدنا عليها عبر سني تجربتنا كمتابعين للمسلسلات التلفزيزنية .
لكنها تجربة إخراجية جديرة بالتأمل ستشكل علامة فارقة في تأريخ الانتاج التلفزيوني العراقي ، وستُعطي درساً في الإنتاج المتقشف الذي يعي جيداً قيوده الاقتصادية ، مثلما يبدع في استثمار قيود وسيطه التعبيري ، والتزامه الصارم بقواعد العفة التي صاغها لارس فون تراير و زملاؤه .



