اخر الأخباراوراق المراقب

زيارة الأربعين وبناء الصحة النفسية في عالم مضطرب

مرتضى معاش..

يعيش العالم اليوم مجموعة من الأزمات النفسية، مثل حالات القلق والاكتئاب، فكيف يمكن لتجمع بشري كبير في الزيارة الأربعينية المليونية، أن يساهم في بناء الصحة النفسية وإنقاذ الإنسان من الضياع؟.

الإنسان كائن له جسد، وهو كذلك باعتبار انه نفس وروح، كائن اجتماعي له تموجات معنوية، يحتاج إلى الارتباط بالآخرين من خلال علاقات وارتباطات اجتماعية، بالإضافة الى ارتباطه بهذا العالم والكون، وارتباطه الاعمق والشمولي بالله سبحانه وتعالى.

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

لذلك عندما ينعزل الإنسان عن الله سبحانه وتعالى والعالم، وعن الآخرين، ولا تكون عنده علاقات اجتماعية إيجابية مستديمة، فإن هذا الإنسان يُصاب بالأمراض النفسية، ولهذا كانت التجمعات البشرية دائما وأبدا، -حتى في رؤية العلم الحديث- هي أساس لصحة الإنسان جسديا ونفسيا.

فالإنسان الذي يريد أن يكون صحيحا وسليما نفسيا ولا توجد عنده أمراض نفسية، مثل القلق والاكتئاب والخوف وعدم الثقة بالنفس، لابد أن يكون عنده ترابط مع المجتمع، وتكون له علاقات اجتماعية سليمة.

خصوصا التجمعات المعنوية القائمة على الإيمان والتقوى والمبادئ، وبالخصوص مبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، مثل زياراتهم (عليهم السلام) وبشكل خاص زيارة الأربعين نظرا للتجمع البشري الكبير الذي يعد علاجا كبيرا شافيا ومفيدا للإنسان، عقائديا ودينيا وبالخصوص اجتماعيا ونفسيا، فهي عملية استشفاء للإنسان، وتصحيح نفسه وذاته، واستئصال الأغلال الموجودة في داخله (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ويشفي من أمراضه الأخلاقية والنفسية.

مظاهر اختلال الصحة النفسية

عالم اليوم، بهذا التقدم التكنولوجي والتطور المادي الكبير، يمكن ملاحظة وجود اختلالات كبيرة، لأن هذا التقدم الهائل جدا من الناحية المادية والتكنولوجية، لم ينظر إلى علاقات الإنسان الاجتماعية وعقائده ونفسه ومعنوياته.

وأدى هذا الأمر إلى ظهور حالات كبيرة من القلق والخوف من المستقبل، وعدم الشعور بالاطمئنان في الحاضر، هناك شعور بالضياع والخوف مما هو آتٍ وخصوصا بعد جائحة كورونا، وانعكس ذلك على كثير من الناس بالإصابة بأمراض جسدية مثل القولون العصبي، وأمراض القلب، وضغط الدم وامراض الجهاز المناعي.

الشعور بالحزن والتعاسة

ومن المظاهر الأخرى الاكتئاب والشعور بالحزن والتعاسة، حيث تلاحظ الإنسان مهموما مكتئبا، غير مرتاح، ينهض من فراشه صباحا وهو غير سعيد، بل تعيس، فيذهب إلى عمله من دون التزام، ولا يمتلك الرغبة والشغف في الحياة، دائما تجده مكتئبا ويزداد اكتئابا.

يبحث عن السعادة في القضايا المادية ولا يجدها، لأنه لا يدرك بأنه لا يذهب وراء الجوهر الأساسي الناتج عن عملية بناء السعادة عند الإنسان،

القرآن الكريم يقول: (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) الأرق من علامات الهمّ.

الاكتئاب هو شعور الإنسان بالضياع، وبعدم السعادة بل الشعور المستمر بالحزن، وهذا الحزن يسمى بالتعاسة، حيث يستولي الشعور بالفشل وبفقدان الأمل ويكون الإنسان مغموما من المواقف والمشكلات التي مر بها، وهذا يسمى الغمّ، وجعلكم (أمنةً نعاسا) بمعنى ينام مطمئنا متى يرغب، وعندما ينام لا يعاني من الأرق.

أمّا الأرق وهو ومن علامات الهمّ فهو القلق حيث يكون الإنسان مشغول البال، ولا يستطيع النوم لأنه غير مرتاح نفسيا، (قد أهمتهم أنفسهم)، يعاني الهمَّ، لأنه يعاني القلق والشك والحيرة، مما يخبّئ له المستقبل، وهذا بدوره يؤدي إلى الغم.

القرآن الكريم يذكر في آيات مفردات الغم والهم، الغم هو الاكتئاب، ولذلك نلاحظ أن الإنسان المكتئب ينام كثيرا، والهم هو القلق، وهو عكس الغم، فمن يعاني الهمَّ لا يستطيع النوم، ويحدث عنده أرق.

عدم الشعور بالانتماء للعالم

من المظاهر التي نلاحظها اليوم الاغتراب وعدم الشعور بالانتماء إلى العالم، ينهض الإنسان صباحا فيشعر بنفسه بأنه منفصل عن هذا العالم، يشعر بالتوحد والتوحش، ويشعر بأنه غريب في عالمه هذا، يحدث ذلك بسبب فقدان الانتماء إلى العالم.

ضياع الهوية وفقدان الذات

ضياع الهوية من المظاهر أيضا، فلا توجد هوية عند الإنسان المعاصر، ولكن في زيارة الأربعين، يشعر الإنسان بالانتماء، ولا يشعر بالاغتراب والغربة، بل يشعر بأنه في المكان الصحيح بالحياة، ويشعر بهويته الحسينية، وأنه منتمٍ إلى الإمام الحسين (عليه السلام).

لكن الذين لا يوجد عندهم تواصل مع القضايا المعنوية ومع أهل البيت (عليهم السلام) يشعرون بالاغتراب، وضياع الهوية وفقدان الذات، أي يشعر بأنه منغمس في نوع من الضبابية، فهو مجرد إنسان ضبابي غير موجود في الحياة، وهو ليس في مكان حقيقي، وفي بعض الأحيان ينظر إلى نفسه وكأنه وهم.

انهيار العلاقات الاجتماعية

في الانحراف الأخلاقي يصبح الكذب صدقا والصدق كذبا، والخطأ يكون صحيحا والشرير يكون خيّرا، والأمين يكون جبانا، والخائن شجاعا، هذه كلها أمور تدل على مظاهر الاختلال النفسي، بالإضافة إلى انهيار العلاقات الاجتماعية في عالم اليوم، عالم الحداثة وما بعد الحداثة الذي أصبح يعاني التفكك.

ولذلك نحن نحذر من الغزو الثقافي، لأن هدفه هو تفكيك العلاقات الاجتماعية، فالبعض انحرفوا بعد أن تأثروا بموجة الحداثة والغزو الثقافي، فانهارت علاقاتهم الاجتماعية، وأصبحوا ضد المجتمع ويشتمونه لأنهم تثقفوا وتحلّوا بأخلاق الغرب، وتخلوا عن أخلاقهم الفطرية الدينية الإسلامية. ولكن مثل زيارة الأربعين توجد معطيات عظيمة في تقوية العلاقات الاجتماعية وفي مقاومة الانحرافات القادمة مع الغزو الثقافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى