اخر الأخبار

محنة عاصمتنا الحبيبة

مدينة بغداد الَّتِي يصل عدد سكانها إلى ما يقرب مِنْ ثمانيةِ ملايين نسمة بحسبِ أحدث التخمينات الرسمية، تُعَد منذ تأسيسها عام 762 م وحتى يومنا هذا مِنْ أكبرِ مدن البلاد وأهمها، بوصفِها عاصمة العراق الَّتِي تشكل مِنْ حيث عدد السكان ثاني أكبر مدينة في البلدانِ العربية بعد العاصمةِ المصرية القاهرة، بالإضافةِ إلى هويتِها الحضارية والثقافية المتأتية مِنْ عمقِها التاريخي ورصيدها الفكري والحضاري والثقافي، إلى جانبِ أهميتها العلمية والاِقْتِصادية المتمثلة في جامعاتِها وآثارها وعراقة مكتباتها ومؤسساتها الإدارية والحكومية.
الملفتُ أنَّ هذه المدينةِ التاريخية، ما تزال رهينة المعاناة مِنْ مُشْكِلةِ نقص الخدمات البلدية والاجتماعية، إذ أنَّ بعض أحياء العاصمة عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر تغص بالنفاياتِ بفعلِ إهمال الوزارات المعنية والدوائر البلدية، فيما يرزح أغلبها، وبخاصة المناطق القديمة مِنْ فضاءاتِها تحت سطوة مشكلات مياه الشرب وشبكات المجاري ومياه الأمطار، إلى جانبِ تنامي ظاهرة جزر وبيع الأغنام عَلَى أرصفةِ شوارعها مِنْ دونِ مراعاة الضوابط الصحية الخاصة بجزرِ المواشي، ولاسيَّما ضمان خلوها مِنْ الأمراضِ قبل ذبحها.
لا مبالغة كبيرة في القولِ إنَّ انتهاءَ الأعمار الافتراضية للقسمِ الأعظم مِنْ شوارعِها، فضلاً عن أعباءِ الحفر وكثرة المطبات الَّتِي أضيفت إليها، وأفضتْ إلى جعلِها أشبه بطرقٍ غير معبدة، بالإضافةِ إلى تفشي ظاهرة تخسف الكثير منها عَلَى غرارِ تخسف الأنابيب الناقلة لمياه الشرب ومياه المجاري، إلى جانبِ تزايد التجاوزات التجارية والصناعية والسكنية عليها مِنْ دونِ شروع الجهات المعنية بإجراءاتٍ رادعة، ساهمت جميعاً بفقدِها هيبتها، وبالتالي المساهمة بانحسارِ ألق المدينة، الَّتِي تأتي مِنْ ناحيةِ الكثافة السكانية بالمرتبةِ السادسة عشر عالمياً.
إنَّ واقعَ المدينة في حاضرِها يعكس مِنْ دونِ أدنى شك افتقارها إلى ملامحِ التصميم الحضري جراء التشوهات، الَّتِي سببها التدهور الَذي لحق ببيئتِها العمرانية والبلدية، إذ أضحتْ مدينة غارقة بفوضى التخطيط والعمران، عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ التصميمَ الحضري يشكل في جميع المراحل التاريخية الاهتمام الأكبر للمخططينِ والمعماريين في جميعِ أنحاء العالم بخلافِ قصور إداراتنا الكبير في هذا المجال، مع العرضِ أنَّ المحاولاتَ الأولى الَّتِي بدأتْ في أعوامِ العقد السابع مِنْ القرنِ الماضي تلزم الإدارات المعنية بمحاولةِ تأهيلها.
لا مغالاة في القولِ إنَّ بغدادَ الَّتِي سَلبتْ عشوائية التخطيط هويتها الحضرية والمعمارية، لم تُعَد قناديل السعادة تتراقص في لياليِها مثلما يفترض؛ بالنظرِ لتهالك بنيتها التحتية وتراجع الخدمات البلدية والاجتماعية في غالبية مناطقها نتيجة تداخل الكثير مِنْ العواملِ وتشابكها، ولاسيَّما التقاطع الواضح في عملِ الجهات التنفيذية، الَّتِي ما تزال بحاجةٍ ماسة إلى إقرارِ تشريعات قانونية لأجلِ تحديد المهام وإيضاح الصلاحيات بقصدِ عدم تداخلها.
إنَّ الاعتزازَ بعاصمتِنا الحبيبة يلزم جميع الجهات الحكومية المعنية تدارس أخطاء المرحلة الماضية، وبحث مسبباتها من أجلِ رسم السياسات السليمة، الَّتِي مِنْ شانِها النهوض بواقعِ المدينة ومواجهة الآثار البيئية لبعضِ النشاطات الصناعية والخدمية، والبدء بتقديمِ خدماتٍ أفضل تليق بالعاصمةِ العراقية وتواكب التوسع السكاني.
مِنْ نافلةِ القولِ إنَّ مهمةَ إعادة البريق إلى العاصمةِ بغداد، يفرض عَلَى الجهاتِ ذات العلاقة التحلي بالرغبةِ والإصرار والصبر لأجلِ الارتقاء بأعمالِها إلى مستوى مطامح الناس، إذ أضحى مِنْ الضروري والواجب التخطيط لتداركِ خرابها، والابتعاد عَنْ استنزافِ الزمن بأحاديثٍ إنشائية حول برامج لإقامةِ مشروعات استراتيجية لتحسينِ واقع المدينة.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى