اخر الأخبارثقافية

نصيف الناصري .. مسافر رمزي تحاول المدن سرقة خطاه

نضج شعره على نار الحرب والاغتراب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد حمدي العطار أن الشاعر نصيف الناصري هو مسافر رمزي تحاول المدن سرقة خطاه وأن قصائده مفردة نافرة تصارع الحروب القذرة المجانية التي أغرق فيها الطاغية صدامُ العراق.

وقال العطار في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: في تعليق أخير ينفي الشاعرالثمانيني المغترب نصيف الناصري صفة الصعلوك التي انتشرت وصفاً له في الشعرية العراقية ويرى أن لا أحد من معاصريه يستحق هذا اللقب كونَ الصعلكة في رأيه قيمة كبيرة ذات بُعد طبقي وبحث عن العدل”.

وأضاف :ربما يقارب واصفوه صعلكةً ما في خروجه عن القبيلة الشعرية فهو شاعر تعلم كبيراً بتعليم محدود ويمارس مهناً متواضعة من أجل العيش ، ثم يصارع الحروب القذرة المجانية التي أغرق فيها صدامُ العراق وقرضت سنوات من عمره بين الخنادق الترابية وجبهات القتال التي يحوم الموت فيها كل لحظة.فعالجها بالهروب المتكرر والوقوع تحت طائلة السجن والخوف،لكنه أعطاها بُعداً شعرياً، فرصد تلك الحياة في قصائد أتيح لي أن أقرأها في مجموعة وزعها بخط اليد. أسماها(جهشات ) اختزالاً دالا لحزن البكاء وتلك وحدها كانت جرأة ذلك الزمن حين كان شعراء متملقون يمجّدون الحرب والموت، هي أربعة أعمال شعرية في كتاب واحد، تتصدرها بطاقة تعريفية تعكس كعتبة قراءة مزاجَ الشاعر وطريقته في الرؤية والتعبير عنها”.

وتابع :إن “حياة الناصري حادثة بمصادفات وتعارضات جعلت منطق الصدفة متحكماً في خطابه الشعري الأعم من نصه المعلن.من أجل تكريس صدمته بالحياة وتوصيلها شعرياً تبرز عدة استعانات في مجموعته تلك.يأتي بها لمؤازرة نصه الشعري ،ويمنحه هوية حداثية يغلفها العبث الذي سيتسلل إلى بنية قصيدته التي قامت بدايةً على المفارقات القريبة من أشعار محمد الماغوط، قبل أن يختط له إيقاعاً خاصاً به لتجسيد تلك المفارقات التي عاشها في الشعر وخارجه.

وواصل :كتبتُ عن (جهشات) – وأنا مندهش- صفحة كاملة وكان يلاعب الحرب وينبش بواطنها وعذابات المجندين قسرياً مثله ،ويقطّر منها قصائد ملتاعة تزينها الصراحة والجرأة والطرافة أيضاً والكذب والتزوير من أجل الهروب ،والعيش بحرية خارج البدلات العسكرية ، والضياع والتشرد والجوع.وإن شابها الخوف والترقب كل لحظة،تلك الأيام التي تركت في نفسه أسوأ الذكريات عن العيش على أعتاب الموت، ورؤية الشبان يسقطون برصاص الحرب التي طالت حتى جعلته يكتب ديواناً لاحقاً بعنوان ( خرائب أيامنا)”.

واستدرك :”لكنني بعد تلك القراءة وصفته بالغجري، ولم يكن بعدُ قد هاجر إلى السويد حيث يعيش الآن .غجري خارج القبيلة الشعرية ومفردة جامحة في جملة الإجترار التي عانى منها جيله، لوقوع شعرائه تحت ظرف مشابه واهتمامات متماثلة”.

وأكمل :ان ” الاتجاه إلى قصيدة النثر يلبي لدى الناصري رغبة الكتابة الشعرية بلا أوزان ورنين موسيقي خارجي.فكانت الصورة في أشعاره الأولى أقرب إلى شعر محمد الماغوط القائم على التقابلات الثنائية الحادة والمطابقات الصورية المتسمة بالبساطة الصياغية والعمق الدلالي .ثم بدأت قراءاته المترجمة تظهر في قصائده كتأثره بلوتر يامون بوجه خاص وببودلير ورامبو”.

وأوضح :”ان” شعر نصيف الناصري نضج على نار الحرب والفاقة والتشرد ثم الاغتراب.لكن قصائده تقدمت في ملفوظها النصي وبلغت مناطق آهلة بالفكر والشعر.يتساءل:ماذا لو عشتُ حياتي في زمن آخر وأرض أخرى؟هل كانت الكوابيس تمحقني وتوصد الظلال؟..لي في العراق ثمرة حياة مقضومة وحمّى طويلة تسهر بين الخراب ،أنا الانسان البائس أبحرت من مالمو الى البوّابات العظيمة لنينوى المحفورة في غصن الحكاية..تلك هي تساؤلات نصيف الناصري وإجاباته عليها في ديوانه الذي يوجهنا عنوانه (خرائب أيّامنا ) بتزاوج المكان والزمان إلى جملته الشعرية المرهونة بالخراب والخرائب”.

وختم :”يمضي نصيف في مغامرة القصيدة مستلهماً القروي ذاته ،بعد أن حاولت المدن أن تسرق خطاه ،لكنه الآن يسافر رمزياً ولا يستقر روحياً  من شفيعة إلى أخرى من وطن إلى آخر ،ومن ذكرى ماضٍ عاشه، إلى فجيعة حاضر يعيش ذكراه منذ الآن بوعي وكثافة ،تطول أسطر قصيدته ، يرفع سقف خيالاتها واستيهاماتها، وحكمتها العاقلة المضمرة لفوضاه ذاتها وقد شاخت وانطوت على ندم مرير وفاجع سوف يتسلل إلى قراءتنا دون شك”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى