اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام زين العابدين”ع” والقيمة الحقيقية للإنسان

محمد علي جواد تقي..

عاد الإمام زين العابدين، بعد واقعة الطف، ومسيرة السبي الى مدينة جدّه المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله، ولكن؛ هل مثل عودة كل مسافر الى مدينته وأهله؟!

عاد من واقعة توقف عندها الزمن، وانحنى لها التأريخ والوجود كله، لأنها اختزلت رسالات السماء، وغايات خلق الانسان، وهو ما عجز عن استيعابه مسلمو ذلك الوقت، فوقف أهل المدينة محايدين، بينما وقف أهل الكوفة متخاذلين، فمجرد أن أريق دم الامام الحسين على أرض كربلاء حتى انفجرت في الكوامن مشاعر الندم والحسرة، فصار من تلطخت يداه بدماء أهل بيت رسول الله، يذرف الدموع بشكل غريب، وكذا حال المتفرجين في المدينة حال عودة الامام السجاد الذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده، فكانت النتيجة؛ الردّة السريعة على الواقع الفاسد الذي رضيت به الأمة، وتسبب في خسارتها الفادحة باستشهاد الامام الحسين بتلك الطريقة المفجعة.

انفجرت في المدينة وفي الكوفة تحديداً انتفاضات جماهيرية ضد النظام الأموي بهدف استعادة الكرامة الانسانية المهدورة بسبب الظلم والاضطهاد، وايضاً؛ التضليل والتغرير على الباطل، حيث عمّ شعورٌ عارم المسلمين بأنهم “عبيد” لبني أمية؛ تلك القبيلة الجاهلية المتخلفة، كما أفصح عن هذا الواقع سهل بن سعد الساعدي؛ الصحابي المعروف، عندما خاطب أهل الكوفة: “أيها الناس أنتم العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأَمَّرْتُمْ بن مرجانة والله ليقتلنّ خياركم”، فكانت البداية في ثورة التوابين، ثم ثورة المختار في الكوفة، ثم ثورة المدينة، بيد أن هذه الثورات كانت تعبر عن حالة غضب سريعة الاشتعال سرعان ما يخبو أوارها، فكان الدور المحوري للإمام زين العابدين، عليه السلام، في رسم الهوية، وضخّ الروح والقيم التي تكرّس المضمون الرسالي المطلوب لهكذا ثورات ضد الظلم والانحراف، وحتى تعبر عن السعي الانساني للإصلاح والتغيير الحقيقي، ثم التكامل كما أراد له الله –تعالى-، وفي نفس الوقت لا تكون أداة وجسرا يعبر من خلاله النفعيون وصعاليك السياسة مثل عبد الله بن الزبير الذي أراد تجيير كل شيء، من واقعة الطف، ثم انحرافات النظام الأموي  وايضاً؛ اتخاذه مكة المكرمة وبيت الله الحرام منطلقاً له، فكانت النتيجة مقتله والتسبب في انتهاك حرمة الكعبة المشرفة في حادثة حرقه وتدميره على يد الجيش الأموي.

حارب الإمام زين العابدين، عليه السلام، الجهل في أوساط الأمة قبل ان يفكر بمحاربة النظام الأموي، لعلم الإمام وتجربته وتجربة أبيه وجدّه أمير المؤمنين، بأن الجُبن، والتخاذل، والازدواجية، من إفرازات الجهل وفقدان العلم والمعرفة بأحقية أهل البيت، عليهم السلام، وبالثقافة الاسلامية بشكل عام، فكانت قوة السلطة، والمال، والقبيلة، فوق معايير الأخلاق، وأحكام الدين، التي بذل من أجلها النبي الأكرم ما لم يبذله أي نبي ورسول من السماء.

من اجل ذلك، اهتم الامام زين العابدين بالعلم والعلماء لخلق الشريحة الواعية والمثقفة التي تحتاجها الأمة لنشر العلم والمعرفة مثل؛التابعي سعيد بن جبير، الذي كان من أولئك الذين اقتبسوا من الإمام زين العابدين روح الإيمان، وكان مثالاً في العبادة والاجتهاد، وكان يسمى بـ “بصير العلماء” وبلغ من علمه أنه اشتهر بين العلماء أنه ما على الأرض أحد في زمانه إلاّ وهو محتاج إلى علمه. 

والى جانب اكتسابه العلم والمعرفة، اكتسب الشجاعة والبسالة من الامام زين العابدين، وقصته معروفة مع طاغية العراق آنذاك؛ الحجاج عندما أراد يضرب عنقه، فكان يسخر منه، ويستقبل الموت بثغر مبتسم، حتى يُروى أن الحجاج لم يدم طويلاً حتى هلك بعد فترة وجيزة من استشهاد سعيد بن جبير.

ويروى أنه، عليه السلام، كان شديد الاحترام لطلبة العلوم الذين كانوا يتوافدون عليه في المدينة من أقطار العالم الإسلامي، ويرى أنهم وصية رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكان العلماء يستلهمون من سلوكه الهدى والورع قبل أن يتلقوا من منطقه العلم والمعرفة.

فتح البلدان في مشارق الأرض ومغاربها، وانتشر الإسلام فيها، أفاد بيت المال بكثرة الخراج (الحقوق الشرعية) بثروة هائلة؛ نقدية وعينية، وايضاً؛ كسب المشروعية الدينية للحكم على أنهم يحملون تسمية “خليفة رسول الله”، بيد أنها ألحقت بالغ الضرر بأهل تلك البلدان كونهم من غير العرب، فكانت مفاجأتهم في التعامل العنصري والاستعلائي على النمط الجاهلي الأول قبل الاسلام، فساد الشعور بالخيبة مما سمعوه من سماحة الاسلام وتكريمه الانسان وضمان حقوقه، فكانت هذه مهمة الامام زين العابدين بإنقاذ سمعة الاسلام في أوساط من يُسمون بـ “المَوالي”، وهم المسلمون غير العرب، و تقديم صورة ناصعة ومتكاملة للنظام الاسلامي في الحياة، مع تطبيقاته الصحيحة على يد المؤهلين لقيادة الأمة.

إن رسالة الإمام زين العابدين في جانب منها خلال فترة إمامته؛ تبيين القيمة الحقيقية للإنسان، وكيف يجب ان يكون في حياته، مهما كانت قساوة الظروف من حوله، والتي من شأنها ان تلقي بظلالها عليه سلوكه وأخلاقه وطريقة تفكيره، فالناس كانوا ينظرون الى الإمام، عليه السلام، كطالب ثأر له الحق في الانتقام كما هي الثقافة السائدة آنذاك، بل وحتى اليوم، ولكن؛ كان للإمام زين العابدين رؤية أخرى قدمها للأمة وهي أن تسترشد بقيم السماء لتتمكن من معالجة فسادها وأزماتها النفسية والروحية، قبل الازمات السياسية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى