صاروخ مجدل شمس.. هل يفجّر حرباً شاملة؟

بقلم: وسام أبو شمالة..
أنهى رئيس الوزراء الإسرائيلي، زيارته الطويلة نسبياً للولايات المتحدة وعاد إلى “تل أبيب”، قبل ساعات من الموعد المقرر بعد حادثة مقتل وإصابة العشرات من أبناء قرية مجدل شمس المحتلة، وسارع رموز الحكومة الإسرائيلية إلى كيل التهديدات للمقاومة، كما حمّلت المعارضة الإسرائيلية نتنياهو وحكومته، مسؤولية تدهور الحالة الأمنية على الجبهة الشمالية، واتهمتها بالفشل الذريع في الحرب على الجبهات كافة، وبرز تصريح بيني غانتس عضو مجلس الحرب السابق الذي طالب بوضوح بإنهاء الحرب على جبهة غزة وإبرام صفقة تبادل والتوجه إلى الجبهة اللبنانية، كما تراوحت التصريحات في مختلف المستويات بين المطالبة بعملية قوية ضد المقاومة لا تؤدي إلى حرب شاملة، والمطالبة بشن حرب شاملة على لبنان واغتيال السيد نصر الله، فإلى أين ستتجه التطورات الميدانية على الجبهة اللبنانية في الساعات المقبلة؟.
تعاني مؤسسة صنع القرار الإسرائيلي، ارباكاً غير مسبوق منذ أحداث السابع من أكتوبر. وقد اختلطت الحسابات المهنية مع الحسابات السياسية والحزبية والشخصية لنتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف، الأمر الذي يصعّب تقدير الموقف الإسرائيلي تُجاه جبهات المقاومة، بيد أنَّ مسار الأحداث في الأشهر العشرة المنصرمة تشير إلى الدور المركزي لحسابات نتنياهو الشخصية في اتخاذ القرارات على المستويين العسكري والسياسي.
في الخلفية المهنية، فقدت “إسرائيل” بعد السابع من أكتوبر، الركائز الرئيسة في عقيدتها العسكرية على صعيد الردع والإنذار والحسم والدفاع، والتي صاغتها بشكل رئيسٍ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بيد أنَّ تلك الركائز الأربع بنيت في الأساس لمواجهة دول وأنظمة وجيوش تقليدية، ولم يتم تطوير العقيدة العسكرية الإسرائيلية بشكل يلائم طبيعة المواجهة مع فواعل وجبهات مقاومة ما دون الدولة تتمتع بقدرات عسكرية قادرة على الهجوم والمبادرة من جهة، والدفاع والصمود من جهة أخرى.
وتبنَّت “إسرائيل” منذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 وحرب تموز عام 2006 مع لبنان نظرية المعركة بين الحروب التي صاغها بالأساس رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، والتي توافقت مع مبدأ الاحتواء الذي اعتمده نتنياهو تُجاه جبهتي غزة ولبنان.
بعد ابتعاد خطر الحروب الكلاسيكية الكبرى مع دول المواجهة منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر و”إسرائيل”، وبدء مسار التسوية والتطبيع في المنطقة، تبنّت المؤسسة العسكرية خططاً لإعادة بناء الجيش الإسرائيلي كي يواكب التحولات في المنطقة، ويستثمر التطور الهائل في المجال التكنولوجي، وبدأ الجيش بتقليص قوته البشرية وإنشاء ما سمّاه بجيش صغير وذكي، كما تراجع الاهتمام بتطوير القوات البرية، بيد أنَّ الحرب على غزة أثبتت فشل توجهات الجيش بسبب حاجته المرتفعة إلى مزيد من القوات في ضوء خسائره المرتفعة بالقوات والعتاد، وفي ضوء استعداداته لاندلاع الحرب على الجبهة اللبنانية في أية لحظة.
إن الاعتبارات المهنية والموضوعية الإسرائيلية بعد الاستنزاف الذي عاناه الجيش الإسرائيلي في الحرب على غزة وعدم جاهزيته للحرب على جبهتين وخشيته من تداعيات الحرب الواسعة والآثار الاقتصادية وعدم دعم الإدارة الأمريكية لتوسيع الصراع وحاجة الجيش إلى الدعم العسكري الأمريكي، إضافة إلى غياب أهم عنصر في الانتصار بالمعركة، وهو عامل المفاجأة، كلها عوامل لا تدفع الجيش إلى الانجرار إلى حرب واسعة في هذا التوقيت، بيد أن انهيار نظريات الردع والإنذار والحسم والدفاع سيجبره على اختيار اللحظة المناسبة لشنّ هجوم واسع ومباغت على لبنان، وذلك بعد إنهاء الحرب على غزة ورفع مستوى الجاهزية والاستعداد والحصول على غطاء أمريكي، الأمر الذي سيدفع الجيش إلى تبني هجوم موضعي على المقاومة اللبنانية بعد حادثة مجدل شمس بمستوى أعلى من الهجمات السابقة، من دون تكسير الأواني والمجازفة بالانجرار إلى حرب في توقيت غير مناسب، فالجيش يؤمن بحاجته الماسة إلى إضافة عنصر المبادرة العسكرية في المرحلة القادمة، وذلك بعد رفع مستوى الجاهزية وتحسين قدراته العسكرية، ولا سيما تطوير قدرات قواته البرية.
تسعى المؤسسة الأمنية في هذه المرحلة إلى إنهاء الحرب على غزة، وإنجاز صفقة تبادل للأسرى، وعدم التورّط في حرب استنزاف طويلة في غزة، وتعويض خسائرها في الحرب، ورفع مستوى الاستعداد والجاهزية على الجبهة الشمالية، كما تسعى إلى استغلال حادثة مجدل شمس لرفع مستوى الضغط الدبلوماسي والداخلي على المقاومة اللبنانية للاستجابة لمطالب “إسرائيل” بتراجع قوات المقاومة كيلومترات عدة عن الحدود مع فلسطين، وعدم ربط موقفها العسكري والسياسي مع جبهة غزة، بيد أنَّ توجهات الجيش لا تتوافق كلياً مع نتنياهو وحساباته الشخصية والحزبية، ولا سيما تُجاه الحرب على غزة وصفقة التبادل.
أما على صعيد الجبهة اللبنانية، فسيتجه نتنياهو إلى إبقاء حالة التصعيد المدروس (ما دون الحرب) على الجبهة اللبنانية، وسيتبنى توصية المستوى العسكري مرحلياً بشن هجوم عنيف لا يجر إلى الحرب مع لبنان، وذلك لرهان نتنياهو الأكبر والاستراتيجي على فوز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية بعد نحو ثلاثة أشهر، وهو رهان لا يرتبط بالحرب على لبنان فحسب، بل يتخطاه لمواجهة أكبر مع إيران أيضاً.



